الجمعة، 7 مارس 2014

جدلية العلاقة بين السياسة والدين في أمريكا من خلال الموقف من إسرائيل .


بسم الله الرحمن الرحيم
(1)
ما هو أساس علاقة أمريكا بإسرائيل ..؟ أهو المصلحة السياسية و الإقتصادية ..؟ أم الرابطة العقائدية ..؟ أم كلاهما معا .. ؟
هذه الأسئلة تطرح نفسها باستمرار حينما تتفاقم الأحداث في منطقة الشرق الأوسط كما يحصل الآن في فلسطين و غيرها ، و يبدأ الكثير من المراقبين و المحللين بمراجعة تصوراتهم لهذه القضية ، لا سيما الذين يصرون على إبعاد العامل الديني عن هذه العلاقة الوثيقة الحميمة ، إذ أن أمريكا تفقد كثيرا من المكاسب التي تحققها في المنطقة كضريبة لوقوفها بجانب إسرائيل في أعمالها الإجرامية ، و لا أدل على ذلك من خسائرها مؤخراً بما يجعل افتراض العامل العقائدي أمراً معقولاً ، لا سيما و الجميع يعي تنامي التيار الأصولي في الإدارة الأمريكية .

تمهيد
قبل الحديث عن تاريخ علاقة أمريكا باليهود يجب أن ننوّه على حقيقة مهمة ستستمر معنا طوال هذا المبحث ، وهي أن أكثر الشعب الأمريكي ينتمي إلى الطائفة البروتستانتية التي كان منها أوائل المهاجرين إلى أمريكا الذين فرّوا بدينهم من الإضطهاد الكاثوليكي الأوروبي وقام على أكتافهم هذا الكيان الحالي لأمريكا .
ويستلزم منا التسلسل المنطقي أن نبدأ بمعرفة علاقة النصارى مع اليهود في المذهب الكاثوليكي ، و تغيّر هذه العلاقة في المذهب البروتستانتي حتى ندرك أسباب التداخل والتشابك بين اليهود و البروتستانت إلى درجة الإندماج كما يبدو حاليا في مواقف أمريكا من إسرائيل .. وكما قيل : إذا عُرف السبب .. بطل العجب .
موقف الكنيسة الكاثوليكية الأوروبية من اليهود :
من خلال إستقراء تاريخ العلاقة بين الديانتين نستطيع تلخيص موقف الكنيسة الكاثوليكية الأوروبية تجاه اليهود بما يلي :
أولا : وفقا للعداء التقليدي بين اليهود والنصارى تعرض اليهود للإضطهاد المرير على يد الكنيسة الكاثوليكية في جميع أنحاء أوروبا مما حدا بعض اليهود للهروب إلى رحاب دولة الإسلام بحثا عن العدالة و الرحمة التي فقدوها عند إخوانهم النصارى .
ثانيا : إتخذت الكنيسة الكاثوليكية موقفا حازما مع اليهود برفضها التصالح مع اليهود إلا إذا إعترفوا بالمسيح كإبن للإله واعتناق النصرانية .
ثالثا : لم تحتلّ فكرة عودة اليهود إلى أرض الميعاد ( فلسطين ) أي مكان في العقيدة الكاثوليكية ، وسبب هذا أن الرهبان يرفضون التفسير الحرفي للتوراة واستخدمت الكنيسة أسلوب التأويل المجازي للنصوص التوراتية . أضف إلى ذلك أن المسيح عليه السلام في الكلام المنسوب إليه أشار إلى أن مملكة الله ليست كيانا سياسيا يلم شمل اليهود وإنما هي حقيقة روحية موطنها القلب ، فيقول إنجيل ( لوقا ) : " ولما سأله الفريسيون متى يأتي ملكوت الله أجابهم وقال : لا يأتي ملكوت الله بمراقبة ولا يقولون هو ذا ها هنا أو هو ذا هناك لأن ملكوت الله داخلكم " ، بالإضافة إلى أن جميع النصوص التي تتنبّأ بعودة مملكة بني إسرائيل صُرفت إلى أن هذه المملكة تعني الكنيسة المسيحية .
نرى من خلال هذا العرض الموجز أن اليهود لم يكن لهم أدنى إحترام أو وزن في ظل الكاثوليكية ، وأن النصوص التوراتية والإنجيلية قد إستخدم الرهبان والقسس في شرحها وتفسيرها أسلوب التأويل والمجاز لصرفها عن ظاهرها ، ومن بينها نبوءة عودة اليهود إلى أرض الميعاد ( فلسطين ) . ولكن هذه النظرة لم تستمر ، بل إنقلبت إنقلابا مفاجئا على يد البروتستانية أتباع " مارتن لوثر " عندما ثار على الكنيسة الكاثوليكية لعدة أسباب من ضمنها - وهو ما يهمنا هنا - إحتكار الرهبان والقسس تفسير النصوص الدينية ، وعدم السماح لغيرهم بتفسيرها و فهمها .
موقف البروتسانتية من اليهود :
أحيت البروتستانتية النصوص التوراتية و كسرت حق إحتكار الكنيسة الكاثوليكية لتفسيرها وتأويلها ، فكان العهد القديم ( التوراة ) المرجع الأول لفهم العقيدة النصرانية و تفسيرها ، واعتُبرت اللغة العبرية لغة الدراسة الدينية المعتمدة على إعتبار أنها هي اللغة التي أوحي بها من الله .
تبعا لذلك تغيرت النظرة السلبية من اليهود إلى نظرة فيها شيء كبير من الإحترام والتقدير لليهود ، وهذا ما جعل بعض المؤرخين يرى أن البروتستانتية حركة يهودية بحتة هدفها إعادة الإحترام لليهود من قبل النصارى ، وهذا لا نجزم به بل يحتاج إلى جهد كبير من البحث والتنقيب ، وإن كنّا نرجح كما قال الأستاذ محمد قطب : أن اليهود لا يخلقون الفرص بل يستغلون الفرص .
بعد هذا التسامح مع اليهود في ظل البروتستانتية بدأت بعض الأفكار اليهودية تتسلل إلى الفكر النصراني ، من ضمنها أن اليهود شعب الله المختار وهم أفضل من غيرهم من الشعوب . وأن ثمة ميثاقا إلهيا يربط اليهود بالأرض المقدسة في فلسطين وهو ميثاق أعطاه الله لإبراهيم عليه السلام وهو ميثاق سرودي إلى قيام الساعة . وكذلك ربط الإيمان المسيحي بعودة المسيح بقيام دولة صهيون ، وذلك بتجميع اليهود في فلسطين حتى يظهر المسيح فيهم .
الإضطهاد الكاثوليكي للمذهب البروتستانتي وهروب بعض معتنقيه إلى أمريكا :
لم يكن الطريق مفروشا بالورود أمام البروتستانت بعد إعتناقهم هذا المذهب الجديد ، فقد دفعوا ضريبة فادحة في مذابح شنيعة - يطول فيها الكلام - على يد بني جلدتهم الأوروبيين .. و إخوان ملتهم الكاثوليك في جميع أنحاء أوروبا ، ولكن الشاهد هنا أن بعض البروتستانت فروا بدينهم من هذا الإضطهاد إلى بريطانيا وإيرلندا إلى العالم الجديد " أمريكا " ، وكانت أول سفينة تقلّهم هي ( my flower ) وتحمل على متنها مجموعة كبيرة من أبناء الطائفة البروتستانتية المتشددين ممن يسمّون بالتطهريين ( Puritans ) ، وحملوا معهم اللغة العبرية لغة العلم التوراتي .. وتفسيرات العهد القديم ، و أسسوا مستوطنات في العالم الجديد ظهر فيها الطابع العبراني بشكل واضح ، فسمّوا بعض مدنهم الجديدة أسماء عبرية مثل ( سالم ) وهي مستقاة من كلمة ( شالوم ) العبرية ، وسمّوا كذلك أبنائهم أسماء مأخوذة من التوراة مثل سارة و إبراهيم و ألعازر و داود وموسى .
وكان أول كتاب ينشر في هذا العالم الجديد كتاب يهودي اسمه ( pay psalm ) وهو ترجمة مباشرة للكتاب التوراتي سفر المزامير .
الأثر الديني في بواكير تكوين المجتمع الأمريكي :
من هنا ندرك الأثر البروتستانتي المتشبع بالروح العبرانية وأثره في إرهاصات إنشاء هذه الدولة الفتية ، فالتأثير إستمر ولم يتضاءل في تكوين النسيج الإجتماعي الأمريكي ، ونلمح أيضا خطأ من إعتقد أن المجتمع الأمريكي في بداياته كان مجتمعا علمانيا بحتا بل أنه كان ثمة مفاهيم متشددة شاعت في ذاك المجتمع إلى درجة تحريم العمل في المسرح لكونه وسيلة هدم للأخلاق .. يقول " نورمان كوروين " : ولم تكن أمريكا اليافعة بهذا التحرر ؛ لأن الدراما ولوقت طويل من قِبل المتزمتين الذين ازدهروا في بوسطن وفيلادلفيا طريقا سريعا إلى جهنم ، وفُرض قانون طُبّق في بنسلفانيا في هذه الفترة غرامة 500 دولار لأي فرد يقدّم أو يمثّل في مسرحية !! " . ويقول أيضا : " وكان يُنظر إلى المسرح في أواسط القرن الماضي على أنه مدرسة للرذيلة والفساد ، والذي يمرّ الآلاف من خلاله إلى أحضان الحماقة واللهو والإسراف والخلاعة والخزي والدمار ، وكثير من أصدقاء الرئيس ( لنكولن ) كانوا يتمنون لو أنه قُتل في أي مكان غير المسرح !! " ..

(2)
في الحلقة الأولى تحدثنا عن الجذور التوراتية وأثرها في تشكيل المذهب البروتستانتي ، وكيف أن أغلبية المهاجرين الأوائل إلى أمريكا كانوا من البروتستانت الفارين من الإضطهاد الكاثوليكي الأوروبي فنقلوا معهم إلى هذه البلاد الجديدة ثقافتهم التوراتية ، وكيف أن المذهب البروتستانتي كانت له الهيمنة والسيادة لفترة طويلة على البنية الدينية والإجتماعية للمجتمع الأمريكي .

وكما نعلم أن البروتستانتية عندما ثارت على الكاثوليكية كانت هذه الثورة سببا في تقليص دور السلطة البابوية لحساب سلطة الدولة ، و لكنه لما بدأت الهجرات للشعوب الكاثوليكية من أمريكا الجنوبية و أوروبا تتوافد على أمريكا ، وبدأ الكاثوليك بمنافسة البروتسانت في الهيمنة على مناطق أمريكا خشي البروتستانت على هذه المكتسبات واضطروا إلى الرجوع للمناداة بالمبدأ المسيحي التقليدي وهو " فصل الدين عن الدولة " ، وبالفعل تم تعديل الدستور الأمريكي في أول تعديل له في التاريخ ، ونص على فصل الدين عن الدولة في عام 1789 م .

ورغم هذا الفصل النظري إلا أنه من الناحية العملية ظل تأثير الكنيسة على مؤسسات المجتمع كما هو بل ازداد واتسع ليمتزج بجميع شئون الحياة ليصبغها بصبغة دينية بروتستانتية واضحة ، واستخدمت في هذا السبيل جميع الوسائل والأساليب التي تستخدمها عادة المؤسسات والجماعات العلمانية ، ولعل هذا نابع من تميز المذهب البروتسانتي الذي كوّن بفلسفته العملية إحدى إرهاصات نشوء المذهب الرأسمالي مما جعل بعض الفلاسفة يدرسون ويحللون هذه الظاهرة كالفيلسوف " ماكس فايبر " في كتاب " الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية " .

ومهما يكن من أمر يتضح هنا خطأ مقارنة الكنيسة الأمريكية بالكنيسة الأوروبية التقليدية المنغلقة على نفسها والبعيدة عن مكامن التأثير على المجتمع ، يقول القس " برايان هيهر " في ندوة حول الكنائس الأمريكية والشرق الأوسط : " ليست الكنائس مجرد مؤسسات رئيسية في الولايات المتحدة الأمريكية ، بل هي مؤسسات إعلامية أيضا … وهي ليست أحزابا سياسية لكن دورها يأتي في تشكيل و تعبئة جمهور من الأنصار الملتزمين والمهتمين بالمسائل السياسية الخارجية " .

و يقول المفكر الأمريكي " مارتن مارتي " : " ويشاهد المستطلعون والسياسيون الحقيقة بأن الأمريكيين يريدون أن يكونوا متدينين ، أو أن يفكروا في أنفسهم باعتبارهم أمة ( تحت رعاية الرب ) فهم يرون الديانة بطريقة ما مفيدة للحضارة والشخصية الخاصة و المدنية .. وكلا القطاعين العام والخاص أشارا إلى تقديرهم للقوة الدينية في أمريكا ؛ ففي خلال ازدهار العقارات في منتصف القرن أصبح من خواص السماسرة الإعلان عن الأحياء الجديدة ، والمناطق الجديدة ، واحتوائها ليس فقط على المدارس ؛ ولكن مع وفرة بالكنائس أيضا " .

و يقول الدكتور " محمد عصفور " : " ليس صحيحا أن المجتمع الأمريكي شعب لا يهتم بالدين أو يحرص على إبعاد الدين عن السياسة ، بل إن الشعب الأمريكي هو من أشد الشعوب الأمريكية تدينا .. وليس ذلك غريبا وخصوصا مع قوة تراث المتطهرين " Puritans " في الشخصية الأمريكية . حتى إن بعض المحللين الإجتماعيين يردون إلى تقاليد المتطهرين تقبّل الشعب الأمريكي الرقابة على الضمائر والسلوك وهي رقابة ترفضها الشعوب الأوروبية ، فقد كان من بين تقاليد المتطهرين أنه كان للراعي كأخ أكبر الحق في أن يفتش مساكن إخوانه المؤمنين في أي وقت ليتأكد من أنهم يديرون منزلا مسيحيا حقيقيا ! " .

ويقول الدكتور : يوسف الحسن : " وباختصار ، يمكن القول إن تأثير الكنيسة على الحياة الأمريكية كبير . فالدين في المجتمع الأمريكي يمتزج بكل شيء ، و من خلاله يمكن القيام بكل شيء " .

و هذه الهيمنة الدينية على المجتمع الأمريكي لم تأت من خلال الإرث الديني التاريخي فقط بل لا بد من التعرض إلى الدور الهام الذي لعبته ما تسمى بـ " الحركة الأصولية المسيحية " والتي تُعتبر أعلى أشكال النضج للعمل الكنائسي المنهجي والمنظم في أمريكا ، وهي تضم أغلبية بروتستانتية ساحقة ، بالإضافة إلى أغلبية من العرق الأنكلوسكسوني الأبيض ( W A S P ) وهو إختصار لـ ( White Anglo - Saxon Protestant ) أي " البروتستانت الأنكلوسكسون البيض " و التي تعتبر الطبقة الأرقى في المجتمع الأمريكي ، وهي حركة تعتنق الأفكار الصهيونية بشكل واضح ولا غرابة في ذلك فهي نتيجة حتمية للإتفاق الحاصل بين الطائفتين " اليهود " و " البروتستانت " في كثير من القضايا - كما رأينا من قبل في الحلقة الأولى - من أهمها أن فلسطين أرض الميعاد لليهود ، وكون اليهود شعب الله المختار ، وأن الله قد أعطى إبراهيم ميثاقا سرمديا بذلك ، وأن المسيح سيعود على رأس ألفية ميلادية ولا بد من تجميع أتباعه اليهود لمحاربة الوثنيين " المسلمين طبعا " في سهل " هرمجيدون " !! وما إلى ذلك من هذه العقائد الدينية التي يشتمل عليها التوراة " العهد القديم " .

و قد استخدمت هذه الحركة الأصولية المسيحية - كما سنرى - أهم الوسائل والأساليب المتاحة لها في نشر هذا الفكر الديني النصراني في المجتمع ، ومن ثمَّ بلورة وتشكيل الرأي العام الأمريكي وفق هذه المفاهيم الدينية .

ففي مجال تعليم :

بادرت الكنيسة الأمريكية بإنشاء مؤسسات تعليمية نظامية تُدرّس فيها العلوم الدينية بشكل واسع و تضم جميع أفراد المجتمع بلا إستثناء .

في مجال التعليم العالي على سبيل المثال أسست الكنيسة - بأموالها الطائلة - جامعات شهيرة مثل : جامعة " هارفارد " عام 1636 م - التي كانت تدرس فيها اللغة العبرانية و تفسير النصوص التوراتية كمواد أساسية لا بد من إجتيازها - ، وجامعة " ييل " عام 1710 م ، وكذلك جامعات كانت ذات علاقة بالكنيسة الأمريكية بشقيها " البروتستانتي " و " الكاثوليكي " مثل " الجامعة الأمريكية " وجامعة " جورج تاون " و " الجامعة الكاثوليكية " في العاصمة واشنطن ، و كذلك جامعة " ديتون وبيلور " في ولاية تكساس ، وجامعة إموري في مدينة أتلانتا ، وكلية بوسطن وجامعة دنفر في كولورادو ، وجامعة ديوك في كارولينا الشمالية .. وغيرها .

وتملك الكنائس عدة مئات من المعاهد والكليات في جميع أنحاء أمريكا ، ففي عام 1982 بلغ عدد معاهد التعليم المعاهد العالي التي تنضوي تحت التعليم الكنسي 1978 معهدا . وبالنسبة للمدارس الدينية اليومية ففي عام 1955 كان عدد هذه المدارس 123 مدرسة في حين قفز هذا الرقم قفزة هائلة إلى 118 ألف مدرسة !! .

فالتعليم الديني في أمريكا إتسع أفقه .. و بدأ بالإنتشار ، وأخذ يستقطب كافة الشرائح والقطاعات ، و حظى باكتساب ثقة المجتمع الأمريكي بنمو مطرد ، ولا نستغرب إذا علمنا أن غالبية الشعب الأمريكي بات يثق بالتعليم الديني أكثر من التعليم الرسمي الحكومي ففي استطلاع معهد " غالوب " في عام 1983 أن 62 % من الأمريكيين يثقون في الكنيسة المنظمة بينما ثقتهم في التعليم العام الحكومي والمؤسسات الإجتماعية لا تزيد عن 38 % .

في مجال الإعلام :

إستخدمت الكنيسة أيضا الإعلام بشكل واسع ، و بدأت بغزو المحطات الإذاعية والتلفزيونية ؛ ففي عام 1985 بلغ عدد محطات شبكات التلفزة للكنيسة المرئية حوالي 1500 ! .

أما محطات الإذاعة الدينية فوصلت إلى 1400 محطة دينية ! تبث الواحدة منها حوالي 17 ساعة يوميا ، وتبين إحصائيات معهد غالوب أن أكثر من نصف الأمريكيين يشاهدون برنامجا دينيا أو أكثر مرة في الشهر على الأقل ، وفي عام 1981 قدّر هذا المعهد بأن 52 مليون أمريكي يشاهدون برنامجا أو أكثر من برامج الكنيسة المرئية شهريا . وارتفع العدد عام 1983 إلى 60 مليون شخص . وفي تقدير آخر منشور كذلك إن عدد مشاهدي برامج الكنيسة المرئية وصل إلى 25 مليون شخص أسبوعيا في عام 1984 .

وهذه الشبكات الإعلامية الدينية الكنسية واقعة في أغلبها تحت سيطرة " الحركة المسيحية الأصولية " بشكل مباشر ، وبرز على الساحة الإعلامية نجمان من نجوم هذه المحطات وهما " جيري فولويل " و " بات روبرتسون " اللذان يتلقيان أموالا أكثر مما يتلقاه الحزبان الرئيسيان في أمريكا " الديمقراطي " و " الجمهوري " !! .

الحركة المسيحية الأصولية و مدى تأثيرها في صنع القرار السياسي لصالح إسرائيل

رأينا كيف أن الحركة المسيحية الأصولية كان لها قدرة على التأثير وبشكل فاعل في بلورة الرأي العام الأمريكي فأصبحت بالتالي إحدى أقوى جماعات الضغط التي تشارك في صياغة وصنع القرار السياسي الأمريكي ، و ذلك لقربها من مواقع صنع القرار فهي تضم النخبة من الأعراق الأمريكية ( الأنكلوسكسون البروتستانت البيض ) من ناحية ، ومن ناحية أخرى قوة تأثيرها على المجتمع في استخدامها لأهم وسيلتين مؤثرتين في صياغة و تشكيل الرأي العام و هما التعليم والإعلام ؛ لذا لا نعجب أن نرى الكثيرين من الساسة قبيل الإنتخابات يغازلون هذه الكنائس في محاولة كسب تأييدها والإنتماء إليها كما يفعل المرشحون للرئاسة الأمريكية ، و على سبيل المثال لا الحصر المدعو " مايك إيفانز " وهو من أبرز الإعلاميين الدينيين في أمريكا و له برنامج مشهور إسمه " إسرائيل مفتاح أمريكا للبقاء " ، و هو أحد زعماء الحركة الأصولية المسيحية المتشددين يعتبر من أخلص أصدقاء الرئيس " ريغان " ومن بعده الرئيس " بوش " ، تقول عنه " غريس هالسيل " في كتابها المعروف " النبوءة والسياسة " : " إن القس مايك إيفانز هو صديق لجورج بوش وأنه يحتل مكانا مرموقا في الحزب الجمهوري ، ويتحرك في صفوف الناخبين ويحثهم على إنتخاب أمثال : ريغان و بوش ، إنه يؤمن بأمريكا مؤيدة لإسرائيل " . وقد اجتمع به الرئيس ريغان مع " جيمس بيكر " و " جيمي سواغارت " و " جيري فولويل " في عام 1985 وقال لهم : " إنني مؤمن بذلك من كل قلبي ، إن الله يرعى أناسا مثلي ومثلكم في صلاة وحب ابتهالين لإعداد العالم لصورة ملك الملوك وسيد الأسياد " وهو يعني بذلك المسيح .

أما " جيري فولويل " وهو أحد أبرز قياديي الحركة المسيحية الأصولية ، ولديه منظمة تدعى " منظمة الأغلبية الأخلاقية " وهو ذو ميول صهيونية واضحة إذ يقول : " إن دعم الولايات المتحدة لإسرائيل ليس من أجل مصلحة إسرائيل ولكن من أجل مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية نفسها " . و يحظى هذا الزعيم بصداقة من نوع خاص جدا لدى الرئيس " جورج بوش " .

أما " بات روبرتسون " وهو من أشهر نجوم التلفاز إذ نافس في شهرته نجوم الرياضة والتمثيل والغناء في أمريكا ! وهو يملك محطة تلفازية تغطي أكثر من 60 دولة وتستخدم الأقمار الصناعية في البث و يستقبل أكثر من 4 ملايين مكالمة يومية عن طريق الخط المجاني رقم 800 ، و من قوة حضوره الإعلامي ونفوذه في المجتمع الأمريكي تقدم لترشيح نفسه للإنتخابات الرئاسية عام 1988 ولكنه تنازل لحبيبه " جورج بوش " ربيب الكنيسة الإنجيلية الأصولية .

وكذلك " جورج أوتيس " صاحب المنظمة المشهورة التي تسمى بـ " رعوية المغامرة الكبرى " التي تؤمن بحرفية التوراة وأنها كتاب من عند الله ، وهي تؤمن بأن المسيح سيعود مرة أخرى ، ولا بد من إعداد العدة لذلك بدعم وجود إسرائيل بكافة الطرق والوسائل ، إذ تقول هذه المنظمة في إحدى إعلاناتها : " نحن ملتزمون بأمن إسرائيل كما نؤمن بأن كل الأرض المقدسة هي ميراث للشعب اليهودي ، غير قابل للنقل أو التصرف ، وهو الوعد الذي أُعطي لإبراهيم وإسحاق ويعقوب ، ولم يلغ قط " ، وتقول أيضا : " كما أن إنشاء إسرائيل الحديثة هو إيفاء لا ينازع للنبوءة التوراتية ، ونذير بمقدم المسيح ، ونعتقد أن اليهود في أي مكان ما زالوا هم شعب الله المختار وأنه يبارك من يباركهم ويلعن من يلعنهم " .

أما على مستوى الرؤساء الأمريكيين فتطالعنا بين الفينة والأخرى خطب وتصريحات تحمل في طياتها الرموز التوراتية الدالة على أن موقف أمريكا من إسرائيل موقف عقائدي نابع من التراث الديني المشترك بين الدولتين ، ففي مارس عام 1979 تحدث الرئيس " كارتر " أمام الكنيست الإسرائيلي قائلا : " لقد آمن سبعة رؤساء أمريكيين وجسدوا هذا الإيمان بأن علاقات الولايات المتحدة الأمريكية مع إسرائيل هي أكثر من علاقة خاصة ، بل هي علاقة فريدة لأنها متجذرة في ضمير وأخلاق ودين ومعتقدات الشعب الأمريكي نفسه … لقد شكل إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية مهاجرون طليعيون ، ونحن نتقاسم تراث التوراة !! " .

ويقول " بريجنسكي " مستشار الرئيس كارتر لشئون الأمن القومي : " أن العلاقات الأمريكية - الإسرائيلية هي علاقات حميمة مبنية على التراث التاريخي والروحي " .

أما النائب الأسبق " بوب فيندلي " فينقل في كتابه الشهير " They Dare to Speak " حديثا للسيناتور " روجر جيسون " عام 1981 في مؤتمر صهيوني حول تأييده الدائم لإسرائيل بسبب دينه المسيحي ، وأن المسيحيين وبخاصة الإنجيليين هم من أفضل أصدقاء إسرائيل منذ ولادتها عام 1948 . و يشير إلى أسباب البركة التي حلت على أمريكا ويعزو سببها لتبنّيها إسرائيل ! فيقول : " لأننا أكرمنا اليهود الذين لجأوا إلى هذه البلاد ، وبورك فينا لأننا دافعنا عن إسرائيل بإنتظام ، وبورك فينا لأننا إعترفنا بحق إسرائيل في الأرض " .

و تصريحات الساسة الأمريكان التي تشير إلى أن التعاون بين أمريكا وإسرائيل نابع من الإرث الديني المشترك بين الدولتين كثيرة ولا تعد ، وقد يتحجج البعض بأن الساسة يستخدمون أحيانا الشعارات الدينية لكسب الأنصار في اللعبة الإنتخابية ، و لكن في حقيقة الأمر أن هذا إقرار ضمني بقوة تأثير التيار الديني في المجتمع الأمريكي الأمر الذي دفع هؤلاء الساسة إلى محاولة كسب الجماهير عن هذا الطريق فلو لم يكن للدين قيمة إجتماعية لما استخدم هؤلاء هذا النوع من الخطاب ، و لو تجاوزنا هذه القضية جدلا ( أي استخدام الساسة للشعارات الدينية للمكاسب الإنتخابية ) لألفينا أن الواقع العملي لا يختلف في أي حال من الأحوال عن الشعارات المطروحة ، و هذا واضح لأبسط الناس فهما للسياسة .

وقفات لا بد منها :

  • هناك قضية ينبغي التنبه إليها وهي أنه رغم التوافق بين الحركة الصهيونية الأمريكية والحركة المسيحية الأصولية إلا أن ذلك لا يعني التوافق التام في جميع القضايا ؛ بل ثمة في الواقع هامش من الإختلاف بين الحركتين في قضايا عدة مثل : الإجهاض ، و التحرر الإجتماعي ، و الشذوذ الجنسي ، و التبشير .. ولكن هذه الإختلافات لا أثر لها في نقاط الإتفاق العامة التي تسعى لها هاتان الحركتان . فهما يعملان على شكل خطين متوازيين يلتقيان أحيانا ويفترقان أحيانا أخرى ، ولكن في النهاية المصب واحد وهو : خدمة إسرائيل .

  • أن المستقبل - و الله وحده أعلم - و كما يرى المحللون و من أبرزهم " صموئيل هنتنجتون " صاحب نظرية صراع الحضارات سيشهد نموا مطردا في إتجاه هذا المجتمع نحو التدين ، لاسيما بعد سقوط الأيديولوجيات والإتجاهات الفكرية كالإشتراكية و الوجودية وغيرها ، و عجز نمط الحياة الغربي المعاصر من إشباع الحاجات الروحية والأخلاقية للمجتمعات الغربية عموما و المجتمع الأمريكي خصوصا ، وهذا واضح تماما في ظل التنامي الملحوظ للحركات الدينية الأصولية في كل بلدان العالم .

  • أن تفسير الترابط بين أمريكا وإسرائيل من خلال جعل أساس العلاقة هو المصلحة رأي له معقوليته و وجاهته ؛ ولكن هذا سيخلّف أسئلة لا إجابة لها ؛ مما يجعل التفسير بأن أساس العلاقة هي الرابطة الدينية هو التفسير المنطقي والمعقول ولا يمنع هذا من دخول المصلحة في هذه العلاقة ، ولكن المصلحة تدخل ضمنا .. و تبعا ؛ لا أصالة .. وابتداء .

  • وفي الختام ، يجب أن نعلم أن الصراع بين الخير " الإسلام " و الشر " الكفر " سنة كونية إلهية منذ بدء الخليقة ، فإذا وضعنا نصب الأعين هذه القاعدة المنبثقة من التصور الإسلامي للكون و الحياة والإنسان نستيقن أن هذا الصراع عقائدي ديني يتسق مع حركة التاريخ و تعضده النصوص الشرعية من القرآن والسنة ومنها حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن الصراع مع اليهود : " لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود حتى يقول الشجر و الحجر يا مسلم يا عبدالله هذا يهودي ورائي فتعالى فاقتله " رواه البخاري .

وحديث النبي صلى الله عليه وسلم عن قتال النصارى ( و هم الروم الذي يدخل فيهم الشعب الأوروبي و الأمريكي ) : " لا تقوم الساعة إلا ويقاتلكم الروم و ينزلون في الأعماق " وفي رواية " حتى تنزل الروم بدابق " رواه مسلم . قال الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم : " الأعماق و دابق اسم موضع بقرب حلب في الشام " .. فالمعركة المصيرية بين الكفر و الإسلام قادمة لا محالة ولكن …

متى ؟ الله وحده أعلم ..

هل نحن مستعدون لها ؟ هنا تكمن الإجابة المرّة ..

نسأل الله أن يبصّر أبناء الأمة الإسلامية طريقهم .. وأن يصلح أحوالهم .. و أن يجعلهم يحملون هم هذه المعركة .

المراجع :
" الأصولية الإنجيلية " ، محمد السماك .
" البعد الديني في السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي - الصهيوني " ، ( أطروحة دكتوراه ) د . يوسف الحسن .
" حقيقة العلاقة بين اليهود والنصارى وأثرها على العالم الإسلامي " ، ( أطروحة ماجستير ) ، أحمد محمد زايد .
" النبوءة والسياسة " ، غريس هالسيل ، ترجمة : محمد السماك .
" القدس بين الوعد الحق .. والوعد المفترى " ، الدكتور : سفر الحوالي .
" كارثة الخليج .. و أزمة الشرعية في العصر الأمريكي " ، د . محمد العصفور .
بعض أعداد مجلات : العربي ، المجتمع ، البيان .

الحمداني - الساحة العربية

" بطرس غالي " قدم لهم كلّ ما أرادوه ، ثم ركلوه !

في عام 1910 أقدم شاب مصري نصراني يُدعى " إبراهيم الورداني " على اغتيال شخص يُدعى " بطرس غالي " ، و رغم أن مبدأ الإغتيال مبدأ منبوذ و مرفوض في جميع الأديان و الأعراف .. إلا أن هذا الإغتيال كان فخرا وطنيا تغنى به الشعب المصري بكافة طوائفه و شرائحه ، وسُمّي الكثير من المواليد على اسم هذا البطل الوطني .. حتى اشتهرت أهزوجة شعبية تقول :
قولوا لعين الشمس ما تحماشي … أحسن غزال البر صابح ماشي
و سبب هذا الإبتهاج و الفرح الشعبي العارم أن " بطرس غالي " كان يمثل طابورا خامسا للإستعمار الإنجليزي في مصر في تلك الفترة ، فقد كان وراء معاهدة 1899 التي خولت لبريطانيا السيطرة الكاملة على السودان ، و أنه كان وراء محاولة تمديد إمتياز قناة السويس لبريطانيا 40 عاما أخرى ، أما ثالثة الأثافي .. و قاصمة الظهر فقد كانت مأساة قرية " دنشواي " عام 1906 حينما خرج بعض الضباط الإنجليز في رحلة صيد إلى الصعيد فأصابوا بعض الأهالي بالرصاص فقتلوا إمرأة وأحرقوا قمحها ، ونشبت معركة بينهم وبين الأهالي مات من جرّائها أحد الضباط الإنجليز من ضربة شمس حينما فر إلى العراء . و أقيمت محكمة جائرة يترأّسها هذا الخائن الصليبي .. و حكم بإعدام أربعة من الأهالي و السجن المؤبد لثلاثة و الباقي أحكام متفاوتة من السجن و الجلد بصورة وحشية أما الناس . فاستشاطت الجماهير غضباً .. و تفجّرت حنقاً على هذه الخيانة الكبرى و الظلم الفادح ، حتى قام الشاب " إبراهيم الورداني " باغتيال هذا الخائن رغم أنه من أبناء ملته .. فكلاهما نصراني قبطي .
ودار الزمان دورته فإذا بحفيد هذا الخائن المسمى على إسمه " بطرس غالي " يقفز بسرعة الصاروخ في المناصب الأكايمية و السياسية المصرية ، ثم يقفز إلى العالمية كأمين عام للأمم المتحدة يدفعه في ذلك جناحان : الأول : صليبيته و تحدره من أسرة لها سجل عريق في الخيانة ، والثاني : زوجته اليهودية ! .
و تمر البشرية - تحت رئاسته للأمم المتحدة - بأبشع مذابح تعرض لها شعب في هذا العصر وهي مذابح الشعب البوسني المسلم على يد الصرب الصليبيين .. تلك المذابح التي يُعتبر عندها " هولوكوست " هتلر نزهة سياحية ! عشرات الألوف من المدنيين يذبحون ذبح النعاج من غير تفريق بين طفل أو امرأة أو شيخ .. ومعسكرات مخصصة لإغتصاب النساء المسلمات اللاتي أُهدرت أعراضهن بأبشع صورة عرفتها البشرية .. كل هذا وغيره كثير تحت سمع و بصر الأمم المتحدة التي ترفض رفضا حازما تزويد المسلمين بالسلاح كي يستكمل الصرب حرب الإبادة .. و الأمين العام للأمم المتحدة " بطرس غالي " جالس ينظر إلى التلفاز يمطّ شفتيه ويقول : " يبدو أن أطفال البوسنة بصحة جيدة " !!
نحن لا نلوم بطرس غالي على جناية جده في جريمة لم يشهدها أو يكون له يد فيها .. فالله سبحانه وتعالى يقول : " ولا تزر وازرة وزر أخرى " ، وكذلك لا نلوم بطرس غالي في دوره في المؤامرة المحبوكة ضد الشعب البوسني المسلم من العالم الغربي بأسره للحيلولة دون إنشاء كيان إسلامي في أوروبا .. فهذا ما يمليه عليه دينه كصليبي حاقد يبغض الإسلام ، أو هو في أحسن أحواله شخص وصولي لا يكترث بالمباديء لأن الغاية عنده تبرر الوسيلة .. ولكن ماذا عن أمريكا التي وضعته في هذا المنصب .. هل شكرت له فضله و خدماته الجليلة لكل قضاياها .. أم تنكرت له ؟
يجيب هو عن ذلك في مذكراته السياسية التي ألفها مؤخرا عن تجربته التي خاضها في منصب الأمين العام للأمم المتحدة بعنوان " خمس سنوات في بيت من زجاج " ( و قد عرضت جانبا منها مجلة الهلال في آخر عدد لها ) ، ففي مذكراته لا يفتأ يعبّر عن مدى محبّته لأمريكا فيقول : " إنني أشاطر أمريكا في المثل والمباديء التي تساندها ، ولقد دفعت ثمناً سياسياً لذلك في الماضي ، فبعد أن جرى تأميم قناة السويس بواسطة ناصر ، وُصفت بأنني مناصر لأمريكا ، ولم يسمح لي بالسفر إلى الخارج " ، وفي موضع آخر يقول عن توليه منصب رئيس لجمعية الصداقة المصرية السوفيتية و يعلل سعيه لهذا المنصب : " وهو منصب سعيت إليه بالتحديد لأني من أنصار أمريكا ( ! ) ، ولم أكن أريد أن يذهب هذا المنصب إلى شخص ربما يذهب يقوّض السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط " .
و يشير كذلك إلى دوره حينما تسلم منصب الأمانة العامة للأمم المتحدة و تفانيه في خدمة أمريكا إلى درجة تعيين من تريدهم أمريكا في الأمم المتحدة رغم معارضة الدول الأخرى ، ولكن ما كانت مكافأته من قِبل أمريكا ؟ المكافأة كانت صفعات موجعة متتالية فقد عارضت أمريكا إعادة ترشيحه باستخدام حق الفيتو ! و طردته شر طردة ، ولكنه قام بمحاولات كثيرة بالتباكي لاستدرار عطف الإدارة الأمريكية مُعدّداً تضحياته الجليلة في سبيلها وقال لوارن كريستوفر : " أنت محام مرموق فلماذا لا تتولى الدفاع عني لدى الرئيس كلينتون ؟ " فأجابه : " أنا محامي الرئيس ولست محاميك ( ! ) " ، أما العجوز الشمطاء " مادلين أولبرايت " فقد كانت أكثر وقاحة وصراحة إذ قالت عنه " إنه أضحوكة ، وهدف للنكات ( !! ) " ، و لكنه لم ييأس وحاول استجداء عطفها بشتى السبل .. ولكنها فاجأته بصفعة جديدة مباغتة قائلة : " لماذا لا تتخلى عن هذا المنصب بكرامة ؟؟ " ..
وفي الختام يتوصل هذا الأكاديمي والسياسي المخضرم إلى نتيجة لا تفوت تلميذ سنة أولى سياسة فيقول : " لقد استغرق الأمر بعض الوقت قبل أن أدرك تمام الإدراك أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تؤمن بالدبلوماسية ، فالقوة تكفي ، إن الضعفاء وحدهم يعتمدون على الدبلوماسية " . في الحقيقة أن أمريكا لا تعرف إلا مصالحها فقط ، فقد فات هذا المسكين أن كل من قدم لأمريكا من خدمات جليلة عبر التاريخ من رؤساء الدول تخلّت عنهم بكل برود عندما انتهت مهمتهم مثلما حصل مع " ماركوس " في الفلبين ، و " الشاه " في إيران ، فما بالك بفرد مثل غالي ؟ وهذا لا يفوت المتابع البسيط لمجريات السياسة ولكن نشوة الكرسي يبدو أنها أعمته عن هذه الحقائق لأن " غالي " ظن بالفعل أنه " غالي " عند أمريكا !! … فإلى مزبلة التاريخ من أوسع أبوابها يا غالي .
 ودمتم سالمين .

الحمداني - الساحة العربية

صحافة بلغة الضاد شرقي موسكو !

( 1 )
بمجرّد أن يُذكـر اسم " المغول " أو " التتار " ، تقتحم الأذهان صورٌ تترى من الهمجية و الوحشيّـة و تدمير أشكال الحضارة و المـدنـيّة . و تستدعي الذاكرة مخزونها التاريخي الزاخر حول ما فعله " هولاكو " ببغداد ، و " تيمور لنك " بالشام ، الخ .
بيـْد أن هذا الخاطر و إن كان صحيحاً لأوّل وهلة ، إلا إنه لا يمثّل إلا جزءاً من الحقيقة التاريخية ، بل لا نعجب - أخي الكريم - إذا قلنا بأنه .. الجزء الأصغر منها .. !
إذ بعد هزيمة المغول في معركة " عين جالوت " على أيدي أبطال " المماليك " في مصر عام 658 من الهجرة ، تغيّر الخطّ التاريخي لهذه الأمة الوحشية الهمجية ، فـانقلبت بقدرة قادر من معولِ هدمٍ للإسلام ، إلى رأس حربة لهذا الدين .. في أعماق " آسيا الوسطى " و " الهند " و " الصين " و ما يُـعـرف الآن بـ " روسيا " و " سيبيريا " و أطراف " أوروبا " الشرقية .
فقد انداحت هذه القبائل في مناكب الأرض تحمل راية الإسلام .. و تدعو إليه .. و تجاهد في سبيله ، حتى أدخلت الكثير من الشعوب التي توقّـف دونها مـدّ الفتوحات الإسلامية ، في دين الله تعالى أفواجاً . و من ثـمّ اقـتـرن إسم التتار و المغول في تلك الدول - و ما يزال - بالإسلام و المسلمين ... !

( 2 )
و قد كانت هذه القضية مثار ذهول و دهشة الكثير من المؤرخين و المستشرقين الغربيين و غيرهم ، فعلى سبيل المثال يقول المستشرق السير " توماس أرنولد " في كتابه : " الدعوة إلى الإسلام " ، تعليقاً على نصّ رسالة " أحمد تكودار " أحد ملوك المغول الذين أسلموا ، بعثها إلى أحد سلاطين مصر ، فعـقّـب توماس أرنولد بعد إيراد نـصّها قائلاً :
" إنّ من يدرس تاريخ المغول ليرتاح عندما يتحوّل فجأة من قراءة ما اقترفوه من الفظائع ، و ما سفكوه من الدماء ، إلى أسمى العواطف الإنسانية ، و حبّ الخير التي أعلنت عن نفسها في تلك الوثيقة التاريخية التي كتبها " تكودار أحمد " إلى سلطان المماليك في مصر ، و التي يدهش الإنسان لصدورها من ذلك المغولي " .. !
يحقّ لتوماس أرنولد و أضرابه من المستشرقين أن تتملّكهم الدهشة و الذهول ، فقد طُمس على قلوبهم و بصائرهم ذلك بأنهم يقرأون القرآن و السنة و السيرة النبوية و تاريخ الإسلام آناء الليل و أطراف النهار ، و لا يـنـتـفعون بما بين أيديهم من البراهـين و الحـقائق القـاطعـة ، فهم - و حالتهم هذه - كالحمير تحمل على ظهورها .. أسفاراً .. !
أمّا من خالطت حلاوة الإيمان بشاشة قلبه .. و استـيـقـن عظمة هذا الدين .. و قـدرته عـلى قـلب موازين و نواميس الكون ، فلن يجد أدنى استغراب في ترويض و إصلاح أشرس الخلق ، فـقـد حوّل العـرب الجاهـلـيـّيـن إلى نماذج إنسانية خالدة .. ملأ أريـجُ ذِكرها العاطر صفحات التاريخ ، أمثال : أبي بكر الصديق و عمر و عثمان و علي و بقية الصحابة الكرام ، رضي الله تعالى عنهم و أرضاهم .
إنها - يا كرام - معجزة من معجزات هذا الدين العظيم التي لا تنقضي ما تعاقب الليل و النهار .. دين الله تعالى .. دين الفطرة الإنسانية :
" فطرة الله التي فطر الناس عليها ، لا تبديل لخلق الله ، ذلك الدين القيّم و لكن أكثر الناس لا يعلمون " .

( 3 )
نعـود إلى موضوعنا الأصل ، و اسمحوا لي هنا أن نُـلقي بعصـا التـرحال عـنـد ما يُعـرف الـيـوم بـ " تتارستان " ، و عاصمتها التي تُدعى " قازان " ، و هي جمهورية إسلامية أغلبية سكانها من التتار المسلمين ، و تقع في العمق الروسي إلى الشرق من مدينة " موسكو " عاصمة روسيا في حوض نهر " الفولغا " الخصب . و تبلغ مساحتها 68 ألف كم مربع ، و ينيف سكانها على الأربعة ملايين نسمة .
و قد عصفت بهذه الجمهورية أنواء الزمن ، و طوّحت بها أعاصير تدمير الهوية ، من إبادة وحشية و تهجير و تشريد ، لا لجريرة اقترفوها .. غير هويّتهم الإسلامية المميّزة :
" و ما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد " .
و قد تعرّضوا إلى هذا الإبتلاء العظيم في عهد القياصرة الروس ، و مع هذا فقد أبلوا بلاءً حسناً في الذب عن دينهم ، و المحافظة على هويتهم الإسلامية ما أمكنهم ذلك . و بعد اضطهاد دام قرنين من الزمان ظهر جلياً للروس صعوبة تذويب هويتهم أو القضاء عليها ، فـتـبـِع ذلك فترة انفراج للمسلميـن في عـهـد الإمبراطورة " كاترين الثانية " ، فـرضـتـها ظروف معـيّنة كانت تـمـرّ بهـا روسـيا آنـذاك .
فاهتبل المسلمون هذه الفرصة لبناء المساجد و المدارس الشرعية ، و عُـيّن في عام 1782 مفتي مسلمي روسيا ، و أُسّست الجمعية الروحية للمسلمين في عام 1788 . و قامت نهضة ثقافية طيبة للمسلمين ، استمرّت قرابة القرن ، فطُبعت كميات هائلة من الكتب الإسلامية بلغات المسلمين المحلّيين و باللغة العربية . و قد بلغ عدد الكتب التي طُبِعت في تلك الفترة الممتدة ما بين ( 1853 - 1859 ) ، أكثر من ( 326 ، 700 ) نسخة من القرآن الكريم ، كما أنها أصدرت في فترة ما بين ( 1854 - 1864 ) أكثر من مليون كتاب .. !

( 4 )
هذه النهضة الثقافية الطيبة للمسلمين أثارت حفيظة المنصّرين ، فضغطوا بدورهم على السلطات الروسية للعودة إلى الأساليب القديمة من قمع و تنصير ، فقام أحد المستشرقين و يُدعى " إيلمينسكي " الذي كان يردّد مقولته السائرة :
" لا يوجد خطر بالنسبة لروسيا أكبر من خطر المسلم المثقف " .. !
فتولّى كِـبْـر رئاسة " المدرسة المركزيّة للمعلّمين التتار المنصّرين " ، و التي كانت ترمي إلى تكوين فئة من المنصّرين التتار لنشر النصرانية بين بني جلدتهم . و ترمي كذلك إلى إحياء اللغات الأدبية لشعوب المنطقة ، و استبدال الحروف العربية لكتابتها بالحروف السلافية ، و ذلك في محاولة منهم لمسخ الهوية الإسلامية لهذا الشعب ، و عزله عن كل ما يربطه بالقرآن الكريم الذي هو الركن الركين لهذه الهوية ، و لكن جهودهم أضحت هشيماً تذروه الرياح ، بفضل تكاتف الجهود ، و التخطيط المحكم للتصدي لهذا الغزو الداهم ، إذ يقول الدكتور " عبدالرحيم العطاوي " :
" لكن الأمور سرعان ما تغيّرت مرة أخرى لصالح المسلمين بفضل تصدّيهم المنظّم و المحكم لهذه السياسة في جميع ربوع الإمبراطورية . و لقد كان لهذه الحملات المعادية للإسلام أثر عميق في نفوس المسلمين و وقفت النخبة المثقفة المسلمة في كثير من الأحيان وقفة رجل واحد لتدافع عن حقوقها القومية و لتتصدّى للخطر الذي كان يتربّص بالشعب التتاري و يهدف إلى " ترويسه " و تنصيره و القضاء على هويّته بصفة نهائية " .
و من آليّات التصدي لهذا الغزو الفكري ، أصدر التتار المسلمون صُـحـُـفاً باللغة العربية ، و أخرى باللغة التتارية و لكنها مكتوبة بالحروف العربية ، تأكيداً للهوية الإسلامية لهذا الشعب المسلم الذي أضعناه .. و لم يكن الأوّل أو الأخير .. من شعوبٍ مسلمةٍ .. أضعناها في مشارق الأرض و مغاربها .. !

( 6 )
أخي الكريم .. أختي الكريمة ..
ما أجدرنا في ظلّ هذه الظروف العصيبة التي تعصف بالأمة الإسلامية ، أن نستلهم الدروس و العـِبر من تجربة الشعب التتاري المسلم ، الذي ضرب مثالاً رائعاً في الصمود و الثبات على هويّته الإسلامية رغم ما تعرّض إليه من محن و أرزاء ، ما زادته إلا ثباتاً و اعتزازاً بتلك الهوية . و قبل أن أنهي هذا المقال التواضع ، أطرح على نفسي و عليكم هذين التساؤلين الـذَيـْن جاشا في صدري و أنا أتأمّل هذه التجربة الحضارية العظيمة :
أوَ لـسـنــا - يا سادة - أولى منهم بالإعتزاز بهذه الهوية و نحن العرب أحفاد الصحابة .. و في معقل الإسلام .. و حصنه الأول و الأخير .. ؟
و ما هو دور المثقفين عندنا في وجه المحاولات القادمة مسخ هويّـتـنا الحضارية ، هل سيقفون كما وقفت النخبة المثقفة في تتارستان وقوفاً مشرفاً أمام هذه المحاولات .. ؟
نسأل الله تعالى أن يصلح أحوال المسلمين ، و أن يبصّرهم طريق الرشد .
أرجو المعذرة على الإطالة .. و دمتم سالمين .

المراجع :
1 - " العالم الإسلامي و الغزو المغولي " ، إسماعيل الخالدي .
2 - الدعوة إلى الإسلام " ، توماس أرنولد .
3 - " حاضر العالم الإسلامي " ، د . جميل المصري .
4 - " المسلمون في الإمبراطورية الشيوعية " ، محمود شاكر .
5 - " نفض غبار النسيان عن بعض أمجاد شعب تتارستان " ، د . عبدالكريم عطاوي ، بحث منشور في مجلة " التاريخ العربي " ، فبراير 1997 ، المغرب .
الحمداني - الساحة العربية

الخميس، 6 مارس 2014

من لفافةٍ للحلوى ، إلى أكبر دار لنشر التراث !

من لفافةٍ للحلوى ، إلى أكبر دار لنشر التراث !




في حياتنا الكثير من الإنجازات و الإبداعات التي لو سبرت غورها ، و نبشت قعرها ، لألفيتها بدأت من ردة فعل لموقف معين ، حرّكت جمود الذهن ، فـانبثقت منها فكرة ، قـلّبها العقل على نار التفكير الهادئة ، ثم اختمرت ، و نضجت ، إلى أن انتهت أخيراً بمشروع عمل .


و من بين هذه المواقف التي لا تُعدّ = موقف طريف ، لكن كان له أثر كبير جدا في إعداد مشروع ضخم لإنقاذ جانب من تراث الأمة الإسلامية من الضياع و التلف ؛ و هو أن " الملا عبد القيوم " رحمه الله أحد علماء الهند في حيدر آباد الدكن في أواخر القرن التاسع عشر ميلادي ، حصل أن زاره بعض إخوانه في داره ، ثم بعث ابنه ليشتري بعض الحلوى ، فلما عاد الولد بالحلوى إذ بها ملفوفة ، ملفوفة بماذا ؟


كانت ملفوفة بمخطوطةٍ نادرةٍ تُعدّ كنزاً من كنوز تراثنا الإسلامي !.


فهال هذا الشيخ الجليل ما آل إليه حال مخطوطاتنا من ضياع ، و إهمال ، و امتهان ! .


لكن هذه الصدمة المُمضّة قدحت في ذهنه فكرة إنشاء دار تعمل على جمع هذه المخطوطات ، و حفظها ، و تحقيقها ، ثم نشرها ؛ لإنقاذها من هذا المصير المؤلم .


فاتّجه إلى الإمارة الآصفية في حيدر آباد الدكن ، وخاطب المسئولين عن التعليم والمعارف فيها ، فلقي منهم استجابة وتشجيعاً ، ثم شُكّلت لجنة مكونة من علماء أجلاّء ، و لقيت هذه اللجنة دعماً مادياً من الحاكم آنذاك و هو " نظام الملك آصفجاه " الذي تبناها و أصدر مرسوماً في عام 1308 هـ ، بإنشاء دائرة المعارف النظامية نسبة إليه ، ثم تحولت في عام 1956 م إلى دائرة المعارف العثمانية ( ولا علاقة لها بالدولة العثمانية ) نسبة إلى الحاكم " النظام مير عثمان " الذي كان يدعمها سنويا بعشرات الألوف من الجنيهات .


و استمرت طيلة عهدها في إحياء نفائس التراث الإسلامي لسنين طويلة فعلى سبيل المثال : نشرت " المستدرك على الصحيحين " للحاكم النيسابوري ، و " سنن البيهقي " ، و " التاريخ الكبير " للبخاري ، و " مسند أبي عوانة الإسفراييني " ، و " مسند الطيالسي " ، و " الصارم المسلول على شاتم الرسول " لشيخ الإسلام ابن تيمية ، و " تذكرة الحفاظ " للعلامة الذهبي ، هذا فضلا عن كتب اللغة والأدب و التاريخ ، مثل " الفائق في غريب الحديث و الأثر " للزمخشري ، و " الجمهرة لابن دريد " ، و كتباً كثيرة تصعب على العد والحصر في460مجلداً من أمهات الكتب .


و توسع نطاق عمل هذه الدائرة المباركة من جمع المخطوطات التي توجد في الهند إلى جمع المخطوطات من جميع مكتبات العالم عن طريق التصوير و الشراء ؛ إذ حظيت بالدعم المادي من جهات كثيرة ، بعد أن رأت دورها الإيجابي و الرائد في هذه القضية المهمة .


و قد عمل فيها العديد من جهابذة العلم و أساطين تحقيق التراث ، ويكفي أن نعلم أن العلامة " عبدالرحمن المعلّمي اليماني " رحمه الله ، قد عمل فيها محققاً و ناشراً للكثير من كتب السلف ، فكانت هذه الدائرة بحق مفخرة لأهل الهند ؛ يقول عنها العلامة " عبدالحي الحسني " : " إنها نشرت كتبا قيمة في الحديث و أسماء الرجال و التاريخ واللغة و وعلوم الحكمة و الرياضة كان يتسامع بها الفضلاء و يحن إليها العلماء ، ولم تر ضوء الشمس ، فكانت مأثرة علمية تذكر ، وتشكر " .


و يقول " محمد رشيد رضا " : " العالم الإسلامي يحمد للهند فضلها في طباعة الأعمال الأساسية في الموضوعات الإسلامية خاصة في السيرة و الحديث " .


و يقول " محمد الأرزنجاني الدمشقي " : " إن دائرة المعارف العثمانية قد أسدت إلى العلم و أهله أيادي بيضاء ، و لقد أخرجت كنوزا ثمينة جديرة بأن تكون من أزهى جواهر المعرفة في جيد الدهر . تلك العقود و الجواهر الخالدة التي كانت العقول النيرة تائقة لسبر غورها و الإستطلاع عليها من كل الأمم " .


و يقول العلامة " محمود الطناحي " : " و يعدّ ما نشرته دائرة المعارف العثمانية ؛ من كتب رجال الحديث ، و تراجمهم ، من أوسع و أعظم ما نشرته الدائرة ، و هو عمل لم تقم به هيئة أخرى ، في داخل العالم العربي ، أو خارجه " .


و أقوال كثيرة أعرضت عنها خشية الإطالة ، كلها تلهج بالثناء و العرفان لهذه الدار التي نشأت بفضل الله ثم لفافة الحلوى التي أتى بها الولد لأبيه " الملا عبد القيوم " ! .


فلا تحقرنّ يا أخي الكريم من الأفكار شيئا ؛ فإذا كان طريق الألف ميل يبدأ بخطوة ؛ فطريق أكبر الإنجازات يبدأ بفكرة ! .


---------

المراجع :


1- " دائرة المعارف العثمانية ، ظروف النشأة و مراحل التطور " ، حمد العنقري ، مقال منشور في مجلة الفيصل ، عدد 276.


2- " مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي " ، محمود الطناحي ، مكتبة الخانجي .


مبارك القحطاني

الأربعاء، 5 مارس 2014

أوراق متناثرة في تاريخ الصحافة الإسلامية .. " مجلة الشهاب الجزائرية "



أوراق متناثرة في تاريخ الصحافة الإسلامية .. " مجلة الشهاب الجزائرية " .
إعداد : مبارك القحطاني
دعوة الإمام المجدّد " محمد بن عبدالوهاب " شجرةٌ مباركةٌ آتت أُكـُلها ثماراً يانعة في كل بقعة مدّت إليها ظلالها الوارفة ؛ فلا توجد حركة إصلاحية معاصرة في عالمنا الإسلامي إلا ولها قِـسـطٌ من التأثّر بهذه الدعوة المباركة يتفاوت بمقدار ما يسـّرته الظروف من إمكانية الإتّصال بها ، سواءً كان ذلك عن طريق التلقي المباشر ، أو السماع و القراءة عنها من خلال مصادر موضوعية و منصفة . و إذا يمّمنا شطر المغرب العربي سنجد في طليعة المتأثّرين بها في هذا العصر الشيخ المجاهد الداعية " عبدالحميد بن باديس " رحمه الله رحمة واسعة ، و مِن ورائه جمعية العلماء التي أنشأها علماء الجزائر أثناء الإستعمار الفرنسي ، فقد كان لهذه الجمعية – و على رأسها الشيخ عبدالحميد - دورٌ بارز و حاسم في مسيرة المعركة الجهادية ضد الغزو الفرنسي ، إذ بذلت جهوداً عظيمة في سبيل إنشاء قاعدة جماهيرية جهادية ، تقوم على أسسٍ تربويةٍ سليمةٍ ، و ركائزَ عقائدية راسخةٍ ، تصمد أمام زمجرة الأعاصير و عتوّها . من هنا ، كانت هذه اللمحة السريعة للوقوف على دور المجاهد عبدالحميد بن باديس رحمه الله في هذه المعركة ، عن طريق تسليط الضوء على مجلة " الشهاب " الجزائرية ، و تأثيرها الإعلامي الفاعل في مسيرة النضال ضد الغزو الفرنسي في الجزائر.
الإستعمار الفرنسي للجزائر :
اقتنصت فرنسا حالة الضعف و التشرذم التي مرّت بها الجزائر فاجتاحتها عسكرياً في عام 1830 م ، و أقامت فيها حكومة استعمارية تحكم هذا الشعب المسلم بقوة الحديد و النار ، و عـملت في الوقت ذاته على جعـْل الجزائر قطعةً من فرنسا، فأصدرت في عام 1834 أمراً عاماً بتحويل الجزائر من أرض محتلّة إلى ملكية فرنسية . و بذلت في سبيل ذلك كل وسعها في عملية منظمة لمسخ هويّة هذا الشعب العربي المسلم عن طريق " فَـرْنـَسَـتـه " ، و تحويله إلى تابعٍ ذليلٍ للثقافة الفرنسية يدور في فلكها ، و يقتات على الفتات المتساقط على موائد تلك الثقافة .
و لما كان تباين الناس و تفاوتهم في كل بلد أمر منطقي و طبيعي ، فقد وُجِـد في هذا البلد خـَوَنة باعوا دينهم و بلادهم بعَـرَضٍ من الدنيا قليل ، و آخرون مصابون بداء الهزيمة الفكرية و يحملون بين جوانحهم نفسيات ممسوخة قابلة للإنسلاخ عن هويتها الحضارية ، هذا إلى جانب الطرق الصوفية التي كانت تنفث في الغالب روح اليأس و التخاذل بين ظهراني المسلمين . فاستمالت فرنسا هذه الفئات ، و جعلتهم يؤدّون أدواراً خبيثة و مشبوهة لخدمتها و خدمة مخططاتها في الجزائر . فأبحرت الجزائر في لجة معتمة من الضياع و التمزّق و الإستلاب الإقتصادي و الثقافي ، الأمر الذي دمّر كيان هذه الدولة المسلمة ، و جذبها إلى حافّـة الهلاك و اليأس .
و لكن سنّة الله تعالى في الكون قد اقتضت أن يتسلّل نور الأمل من ظلمة اليأس ، و أن يولد الرجاء من رحم القنوط ، ففي مثل هذه العتمات الحالكة يظهر دور العلماء و الدعاة الصادقين ، و تسطع مواقفهم المشهودة حينما تهتدي الأمة بأنوارهم ، فتهوي نحوهم الأفئدة ، و تتطلّع إليهم الأنظار ، إذ وهب الله تعالى هذا البلد رجالاً صادقين من أهل الشريعة ، حمـلوا أمانة العلم ، و قاموا بما يُمـليه عليهم دينهم و علمهم في مثل هذه الظروف الصعبة السوداوية . و كان الشيخ " عبدالحميد بن محمد بن مصطفى بن مكي بن باديس " أحد أولئك الأبطال العاملين ، الذين شمّروا عن ساعد الجد ، و أدّوا دوراً نضاليّاً مشرّفاً في هذه المعركة ، يـختال به تاريخ الجزائر فخراً ما تعاقب الليل و النهار .
الشيخ عبدالحميد بن باديس و ثقافته :
وُلِد الشيخ الجليل عبدالحميد بن باديس في مدينة " قسنطينة " في شرق الجزائر عام 1889 م ، لأسرة ذات وجاهة و علم ، فحفظ القرآن الكريم ، و تلقى العلم على يد علماء مدينته قسنطينة ، ثم ارتحل إلى تونس عام 1908 لاستكمال دراسته في جامعة الزيتونة . و هناك تلقّى العلم على يد ثـلّـة من المشايخ الفضلاء . ثم شدّ الرحال إلى الحجاز في عام 1913 لأداء فريضة الحج ، و عرج في رحلته تلك على مصر و التقى بالعديد من علمائها و رجالاتها ، فكان لهذه الرحلات أثر كبير في صياغة شخصيته و عقله ، فقد تعرّف على السلفية عن كثب ، و عاين بنفسه نقاء هذه الدعوة و صفاءها .
من خلال التحصيل العلمي الطيّب الذي حازه الشيخ ، و الرحلات المفيدة التي قام بها إلى الحجاز و مصر و تونس ، انقدح في ذهنه أن ما يجري في الجزائر كان بسبب عزوف أهلها عن النهج الأصيل المنبثق من مشكاة القرآن الكريم و السنة النبوية الصحيحة ، و استسلام غالبية الناس للخرافات و البدع التي لم ينزل الله بها من سلطان ، فأورث هذا الإنحراف في جسد الجزائر الداء العضال ، الذي انتهى بوقوعها غنيمة باردة في يد فرنسا . و على ضوء هذا الفهم يكون الإستعمار الفرنسي للجزائر نتيجةً حتمية لحالة الضعف و الإنحطاط الذي هو مكمن الداء ، فكان لزاماً أن يشرع بعملية الإصلاح ، و لكن انطلاقاً من مستوىالجذور والأسس .
فعاد الشيخ ابن باديس إلى الجزائر ، يحمل في ذهنه مشروعاً إصلاحياً طـمـوحاً ، و رأى أن هذا المشروع يتطلّب وسيلةً تحقّـق له الإنتشار ، و تضمن له الوصول إلى كافة شرائح المجتمع ، و في نفس الوقت لا تتعرّض إلى طائلة المستعمر الفرنسي و بطشه ، فوجد أن أفضل وسيلة متاحة هي : الصحافة ، فاتّجه إليها . و شارك الشيخ في جريدة اسمها " النجاح " صدرت في عام 1919 ، ساهم فيها تأسيساً و تحريراً ، و كانت مقالاته تُـمهر باسم مستعار هو " القسنطيني " أو " العبسي " . و لكنه رأى أن هذه الجريدة لم تكن على مستوى تطلّعاته و مشروعه الفكري الإصلاحي ، فتركها ليؤسّس صحيفته الخاصة ، و أنشأ جريدة اسمها " المنتقد " . غير أن السلطات الفرنسية أغلقتها بعد صدور 18 عدد منها ، بسبب تبنّيها خطاً ثوريّاً يستفزّ المستعمر ، و يثير حفيظته . فاستفاد الشيخ من هذا الدرس ، و قام بإنشاء جريدة أخرى اسمها : " الشهاب " مستغلاً الخبرات التي حصل عليها هو وإخوانه في المجال التحريري و الفنّي في جريدة " المنتقد " . فصدر أوّل عدد منها في عام 1926 م ، و استمرّت حتى أغلقتها السلطات الفرنسية بسبب بداية الحرب العالمية الثانية عام 1939 م .
الأساليب الإصلاحية في مجلة " الشهاب " :
و من خلال استقراء موادّ مجلة " الشهاب " ، نستطيع أن نحدّد أهمّ الأساليب الإصلاحية التي سارت عليها المجلة ، و أن نحصرها في محوريْن اثنين ، هما :
1 – تصحيح عقائد الناس و أعمالهم .
2 – الإهتمام بالتعليم .
فهاتان القضيتان كانتا أهم الملامح التي تشكّل سمة الخطاب الإسلامي في هذه المجلة الرائدة ، فعلى صعيد إصلاح عقائد الناس وأعمالهم أفصح الشيخ عن المنهج الذي تبنّاه فيها ، إذ يقول : " قمنا بالدعوة إلى ما كان عليه السلف الصالح من التمسك بالقرآن الشريف و الصحيح من السنة الشريفة و قد عرف القائمون بتلك الدعوة ما يلاقونه من مصاعب و قحم في طريقهم من وضع الذين شبّوا على ما وجدوا عليه آباءهم من خلق التساهل في الزيادات و الذيول التي ألصقها بالدين المغرضون أو أعداء الإسلام الألداء و الغافلون من أبناء الإسلام " ا هـ .
أما على صعيد التعليم ، فقد كان يرى فيه أمضى سلاح لمقاومة المعتدي و طرده من أرض الجزائر ، لذلك اهتمّ به اهتماما عظيماً و أولاه كل عنايته و وقته و مَـلَـكاته ، حتى وصفه الأستاذ أنور الجندي رحمه الله بقوله : " و هو الذي ينشيء المدارس و المعاهد في طول البلاد و عرضها ثم هو الذي يمضي يومه كاملاً في حلقة الدرس يفتتح الدروس بعد صلاة الصبح حتى ساعة الزوال بعد الظهيرة ، و من بعد المغرب إلى صلاة العشاء . و إذا خرج من المعهد ذهب رأساً إلى إدارة جريدته " الشهاب " يكتب و يراسل " البصائر " و يجيب على الرسائل فيقضي موهناً من الليل ، حتى إذا نودي لصلاة الصبح كان في الصف الأول " ا هـ .
و اهتمّ الشيخ كذلك بتعليم المرأة الجزائرية المسلمة اهتماماً خاصّاً ؛ لأنه يرى أن دور المرأة المتعلمة المتديّنة مهم جدا في تنشئة جيل مجاهد يحمل تبعات العقيدة و يضحّي في سبيلها ، و كان يرى أيضاً أن جهل الأم من أهمّ أسباب الهزيمة التي حاقت بمجتمعاتنا الإسلامية ، يقول : " إن البيت هو المدرسة الأولى ، و المصنع الأصلي لتكوين الرجال ، و تديّن الأم هو أساس حفظ الدين و الخلق ، و الضعف الذي نجده من ناحيتها في رجالنا معظمه نشأ من عدم التربية الإسلامية في البيوت و قلة تدينهن " ا هـ . وألْـحَـقَ الشيخ القول بالعمل ، فـلـما تأسّست جمعية التربية و التعليم ، حرص الشيخ رحمه الله تعالى أن يكون تعليم البنات مجاناً ، و ذلك تشجيعاً لهن على طلب العلم ، و الإغتراف من مناهله .
أما عن الأساليب التربوية التي انتهجها الشيخ في المجلة ، فقد اتّخذ الشيخ ابن باديس رحمه الله في مقالاته في المجلة أسلوباً تربويّاً تعليمياً يربط المسلمين بكتاب الله و سنة رسوله صلى الله عليه و سلّم ، و يوثّق صِـلاتهم بها ؛ فقام بتفسير القرآن الكريم ، وشرح السنة النبوية شرحاً علمياً منهجياً في سلسلة اسمها " مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير " ، تناول فيها أيضا الكثير من القضايا المعاصرة التي طُرحت في الساحة الفكرية كإحدى تبعات الهزيمة الفكرية للمسلمين ، و انقلاب الكثير من المفاهيم و اختلالها في العالم الإسلامي المُستضعف ، مثل مفهوم : " الحضارة " ، فقد تناوله في معـرض تفسير قوله تعالى ( و لقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ) ( الأنبياء 105 ) ، فقال الشيخ : " رأى بعض الناس أن المدنية الغربية المسيطرة اليوم على الأرض ، و هي مدنية مادية في نهجها و غايتها و نتائجها . فالقوة عندها فوق الحق و العدل و الرحمة و الإحسان ، فقالوا إن رجال هذه المدنية هم الصالحون الذين وعدهم الله بإرث الأرض و زعموا أن المراد بـ " الصالحون " في الآية الصالحون لعمارة الأرض ، فيا لله للقرآن و الإنسان من هذا التحريف السخيف كأن عمارة الأرض هي كل شيئ و لو ضلت العقائد و فسدت الأخلاق و اعوجت الأعمال و ساءت الأحوال و عذبت و الإنسانية بالأزمات الخانقة و روّعت بالفتن و الحروب المخرّبة الجارفة ، و هدّدت بأعظم حرب تأتي على الإنسانية من أصلها و المدنية من أساسها " . ا هـ .
مجلة الشهاب و قضايا الأمة الإسلامية :
بالرغم مما كانت تتعرّض له الجزائر المسلمة من محن و تحديات عصيبة ، كان بالإمكان أن تفرض على أهلها طوقاً من العزلة و الإنكفاء على الذات و الانشغال عن قضايا المسلمين خارج البلاد ، غير أن هذا لم يحصل مع الشيخ ابن باديس الذي كان يمدّ ناظريه خارج حدود بلاده متابعاً و راصداً الكثير من القضايا التي تمسّ الأمة الإسلامية ، و منها قضية فلسطين و تطوّراتها ، و قد كانت هذه القضية من أهم القضايا التي تطرّق إليها و تناولها بالنقاش و التحليل ، يقول رحمه الله في مجلة " الشهاب " : " تزاوج الإستعمار الإنكليزي الغاشم بالصهيونية الشرهة فأنتجا لقسم كبير من اليهود الطمع الأعمى الذي أنساهم كل ذلك الجميل و قذف بهم على فلسطين الآمنة و الرحاب المقدسة فأحالوها جحيما لا يُطاق و جرحوا قلب الإسلام و العرب جرحاً لا يندمل " . ا هـ . بل إن الشيخ رحمه الله أبان عن متابعة طيبة لأدوار اليهود الخبيثة ، و أساليبهم في إذكاء الفتن ، و زرع القلاقل بين الشعوب و الدول عندما تعرّض إلى " البلاشفة " في روسيا و علاقاتهم الخفية باليهود ، إذ يقول : " إنهم لا يفرّقون بين دين و دين بل يضطهدون أهل الأديان جميعاً إلا أن اليهود سالمون من هذا الأضطهاد و متمتّعون بحقوق لا تتسنّى لأحدٍ سواهم ، بل الحكومة كلها في أيديهم " . و يقول أيضا : " النفاق و الدهاء فاليهود بلشفية في الظاهر ، و هم في الباطن لا يفرطون في مثقال ذرة من يهوديتهم ، و بهذا المكر الكبّار نجحوا دون سائر أهل الأديان " ا هـ .
و في الوقت الذي كان يهتمّ فيه بقضايا المسلمين في المشرق ، كان ينعى على المشارقة ، و يتألّم من تجاهلهم لأحوال إخوانهم في المغرب العربي ، الأمر الذي لا يجد له تفسيراً سوى ضعف الرابطة الإيمانية ، و انحلال عراها في قلوب الكثير من أبناء الأمة الإسلامية ! لهذا أطلقها زفرةً حرّى على صفحات المجلة قائلاً : " مضت حقبة من التاريخ كاد المشرق العربي أن ينسى هذا المغرب ، و إلى عهد قريب كانت صحافة الشرق – غالبا – لا تذكره إلا كما تذكر قطعة من أواسط أفريقية و مجاهيلها .. و لكن هذا المغرب العربي – رغم التجاهل من إخوانه المشارقة – كان يبعث من أبنائه من رجال السيف و القلم من يذكّرون به و يشيدون باسمه و يلفتون نظر إخوانه المشارقة إلى ما فيه من معادن العلم و الفضيلة و منابت للعزّ و الرجولة و معاقل للعروبة و الإسلام " . ا هـ .
و هكذا ، كانت مجلة " الشهاب " في مسيرتها المباركة مشعل نور ، و نبراس هداية يضيء للجزائريين الطريق ليتلمّسوا نحو الخلاص ، في تلك الظلمات الحالكة و الظروف العصيبة التي مرت بها تلك البلاد المسلمة . إلا أن الشيخ بسبب هذا التأثير الإعلامي القوي و الفاعل لهذه المجلة ، واجه الكثير من المصاعب و العقبات التي وقفت في سبيله ، حتى أنه كاد أن يدفع حياته ثمناً لمبادئه و ثباته عليها ؛ حينما قام أحد أفراد الطرق الصوفية بمحاولة اغتيال الشيخ في عام 1927 م ، و لكن الله تعالى لطف و سلّم .
نهاية المجلة :
توقفت المجلة غداة اندلاع الحرب الحرب العالمية الثانية في شهر سبتمبر من عام 1939 م ، على يد السلطات الفرنسية ، و توفّي الشيخ عام 1940 م بعد حياة حافلة بالعطاء و الجهاد و الدعوة مخلّفاً وراءه ذكراً عاطراً و ثناءً وافرً . و لا نجد وصفاً لأثره الكبير في الجزائر المسلمة أدقّ من كلمات يسيرات قالها عنه المفكر الجزائري " مالك بن نبي " رحمه الله :" لقد بدأت معجزة البعث تتدفق من كلمات ابن باديس فكانت ساعة اليقظة، وبدأ الشعب الجزائري المخدر يتحرك، ويالها من يقظة جميلة مباركة". و قال عنه أخوه الأديب الشاعر الجزائري " محمد العيد آل خليفة " رحمه الله ، أبياتاً صادقة ، منها قوله :
بـمـثـلـك تعـتـزّ الـــبلاد و تـفـخـر *** و تـزهر بالعلم المنـيـر و تزخر
طـبعت على العلم النفوس نواشئا *** بـمخبر صـدقٍ لا يـدانـيه مخبـر .
رحم الله الشيخ عبدالحميد بن باديس رحمة واسعة على ما قدّم للإسلام و المسلمين ، و أعلى منزلته في عليّين ، و الله تعالى و لي التوفيق .
المراجع :
1 – كتاب " آثار ابن باديس " ، عمّار الطالبي ، مكتبة الشركة الجزائرية ، الجزائر ، الطبعة الأولى ، 1966 .
2 – كتاب " عبدالحميد بن باديس ، العالم الرباني ، و الزعيم السياسي " ، الدكتور : مازن مطبقاني ، دار القلم ، دمشق ، الطبعة الأولى ، 1989 .
3 – كتاب " عبدالحميد بن باديس ، و بناء قاعدة الثورة الجزائرية " ، بسّام العسلي ، دار النفائس ، بيروت ، الطبعة الثانية ، 1986 .

أوراق متناثرة في تاريخ الصحافة الإسلامية .. " مجلة الكويت "



أوراق متناثرة في تاريخ الصحافة الإسلامية .. " مجلة الكويت " .

إعداد : مبارك القحطاني










عندما تسمو الهمم ، و ترتقي النفوس ، و تهفو الأفئدة إلى معانقة ذُرى القمم ، فإن العقبات ما تملك إلا أن تتضاءل ، و المصاعب ما تلبث إلا أن تتلاشى و تذهبَ جُـفاءً ، و ما أصدق القائل :

 

إذا صحّ عزم المرء فالبحر ضحضح *** و إن خـار ، فالنـضح اليسيـر عـباب


و إذا ما أجال الإنسان بصره ذات اليمين و ذات الشمال ، ارتدّ إليه طـرْفه بِـصُـوَرٍ مشرقةٍ من الإنجازات الكبيرة التي كان وقودها و محرّكها الأوّل : علوّ الهمم ، و سموّ النفوس . و ما نحن بصدده من الحديث حول الشيخ المصلح الكويتي الكبير " عبدالعزيز الرشيد " رحمه الله  ليس إلاّ أنموذجٌ واضحٌ ، و برهانٌ لائحٌ  لهذا الصنف النادر من الرجال ؛  فقد طمح هذا الشيخ الجليل إلى إنشاء مجلة في وقت كان الجهل ضارباً بأطنابه بين ظهراني دولته " الكويت " و بقية دول الخليج العربي ، حتى كان من يعرف القراءة و الكتابة يُعدّ أستاذاً جليلاً  و صدراً مقدّماً في ذاك المجتمع البسيط الذي شَغَــلته قسوة الحياة ، و معركة الصراع من أجل البقاء عن الإشتغال بطلب العلم و تحصيله ، و إنزاله منزلته الحقّة .
لكن الشيخ عبدالعزيز الرشيد صاحب الهمة العالية ، و النفس الأبيّة التوّاقة و المتطلّعة لنهضة بلده و مجتمعه ، لم تفتّ في عضده تلك العقبات ، بل استصغرها ، و اعتصم  بحبل الله تعالى ، و بذل ما لديه من أسباب متاحة ، حتى كـلـّل الله  جهوده بالنجاح فأنشأ أول مجلّة في الخليج العربي ، و هي مجلّة : " الكويت " ، مشيّداً بذلك حجر الأساس في البنيان الثقافي  في دولة الكويت .

من هو الشيخ عبدالعزيز الرشيد ؟

وُلِد الشيخ الجليل عبدالعزيز الرشيد في الكويت عام 1887 م ، الموافق 1305 هـ ، في مِهاد أسرة متديّنة متوسّطة الحال ، و لما كبرأدخله والده الكتّاب فحفظ كتاب الله تعالى . و كان مشغوفاً منذ نعومة أظفاره بالعلم و الإطلاع ،  فسمح لها والده بحضور حلقة علاّمة الكويت الشيخ " عبدالله خلف الدحيّان " رحمه الله العامرة بدروس الفقه الحنبلي  و النحو و غيرها ، فاعتنى الشيخ به غاية الإعتناء ، ذلك  لما رآه عليه من أمارات النجابة و مخايل الذكاء  ، فمكث الولد عبدالعزيز معه سنتين يغترف من هذا النمير العذب حتى اشتدّ عوده ،  ثم شرع في رحلته الطويلة في طلب العلم فشدّ الرحال إلى مدينة " الزبير " و " الأحساء " ، ثم إلى بغداد و تلقّى العلم على يد علاّمة العراق " محمود شكري الآلوسي " و أخيه " علاء الدين  " رحمهما الله ، ثم إلى الشام و مصر و الحجاز .
إنشاء المجلة :
من خلال هذه الرحلات اتّسعت مدارك الشيخ ، و اطّلع على الكثير من الأمور المستجدّة ؛ و أدرك أهمية الصحافة و دورها الخطير في عملية الإصلاح و الرقيّ بأحوال المسلمين ، فكتب الشيخ في العديد من المجلات و الصحف . ثم رأى إنشاء مجلة في الكويت تساهم في نهضة هذا البلد الذي كان حينذاك في مسيس الحاجة إلى وسائل الإصلاح و أساليب الرقيّ الحضاري . و لكن العقبات الحائلة دون ذلك  كانت كثيرة و مثبـّطة ، بيد أنها بفضل من الله تعالى  تبدّدت عندما عرض هذا المشروع على الشيخ الفاضل " يوسف بن عيسى القناعي " رحمه الله الذي شجّعه و شدّ من أزره  ، فنفخ بتشجيعه هذا روح الإصرار و قبول التحدّي في نفس الشيخ عبدالعزيز الرشيد ، فبادر الأخير بعرض هذا الأمر على أمير الكويت آنذاك الشيخ " أحمد الجابر الصباح " رحمه الله ، فقابله بالموافقة و التشجيع  شريطة أن يُطـِلعه على أوّل عدد من هذه المجلة قبل السماح له بطباعتها ،  و بعد الموافقة أصدر أمراً بتعيين الشيخ الفاضل يوسف القناعي مراقباً على المجلة ، و انحلّت بهذا أولى العقبات .
أما العقبة المادية فقد تجاوزها الشيخ عندما وفّـر بعض المال من تجارته الخاصة ، تكفي لطباعة العدد الأوّل من المجلة ، فطبع الشيخ مجلته التي أطلق عليها اسم " الكويت "  في المطبعة العربية التي يملكها الأستاذ " خير الدين الزركلي " في مصر ، و شُحِنت المجلة ، وبعد أسبوعين وصل العدد الأول إلى الكويت عن طريق البحر ، و كان ذلك في رمضان من عام 1246 هـ ، الموافق مارس 1928 م . و لم تكن المجلة تُباع أعداداً متفرّقة في السوق ، بل تعتمد على نظام الإشتراكات السنوية السائد آنذاك .
موضوعات المجلة :   
صدر العدد الأول من مجلة " الكويت " ، و تحت عنوانها كُتِبت عبارة : " مجلة دينية تاريخية أدبية أخلاقية شهرية " ، و أفصح الشيخ في ديباجة هذا العدد عن منهجها الإصلاحي ، و عن فحوى أبوابها في تعريف مختصر بكل باب و هي  : الدين ، و ردّ الشبهات على الدين ، و الأخلاق ، و القديم و الجديد ، و الأدب ، و التاريخ ، و التراجم ، و الفتوى ، و اللغة ، و متفرقات الفوائد ، و التقريظ و الإنتقاد . فاتخّذت المجلة في موضوعاتها طابعاً متنوّعاً و ضارباً في كل غنيمة معرفية بسهم ، حتى وصفها الدكتور محمد حسن عبدالله بقوله : " يمكن تصنيفها كمجلة ثقافية تعني بقضايا العصر بصفة عامة ، فهي من نوع مجلة الهلال في مصر مثلاً ، و إن كانت صلتها بالدين و التراث أكثر أصالة و وضوحاً " . ا هـ .
و كان الشيخ عبدالعزيز الرشيد رحمه الله يمتاز بثقافة موسوعية ، علاوةً على تمكّنه من الأساليب الكتابية الرفيعة سواء كان ذلك نثراً أم شعراً ، فـيـرفد موادّ المجلة بهذا المواهب التي ظهرت آثارها جليّة على صفحاتها، لكونه هو الذي يقوم بنفسه بتحرير جميع أبواب المجلة  في أعدادها الأولى ، ثم ساهم معه بعض الكُتّاب لاحقاً ممن استقطبهم من العلماء و الدعاة و الأدباء من جميع أنحاء العالم العربي ، منهم على سبيل المثال : محمد رشيد رضا ، و محمود شكري الآلوسي ، و عبدالقادر المغربي ، و عبدالعزيز الثعالبي ، و محمد الخضر حسين ، رحمهم الله تعالى ، و غيرهم كثير .
المجلّة و قضيّة الإلحاد :
تناولت المجلة الكثير من القضايا و ذلك لتنوّع أبوابها و اهتماماتها كما رأينا ، و هنا سنركّز على أبرز القضايا التي اهتمّت بها المجلة لا سيّما تلك التي تندرج أساليب معالجتها داخل الإطار الشرعي ، و على رأسها قضية : " الإلحاد " ؛ فقد انشغلت المجلة بهذه القضية و أوْلتها أهميةً بالغةً ، و هذا في واقع الأمر يعكس درجة الوعي التي كان يتمتّع بها الشيخ رحمه الله ؛ إذ كان الإلحاد في ذلك الوقت في بداية سريان سمومه في جسد الأمة ، عن طريق الكثير ممن طُمس على قلوبهم و أبصارهم من أبناء المسلمين ، فجعلوا يشيعون هذه الجرثومة الخبيثة و ينشرونها بما أوتوا من مواهب بيانية و عقلية ، فكان لزاماً على المخلصين من أبناء الإسلام التصدّي لهذا المدّ الجارف بكل و سيلةٍ متاحة ، و كشف عواقبها الوخيمة على الدين و الأخلاق .  فنجد هنا أن الشيخ قد خصّص أوّل موضوع في المجلة لهذه القضية ، و كان بعنوان : " الدين ، مزاياه و كونه ضروريّاً " ، ثم دأب على نشر كتاب علامة الشام جمال الدين القاسمي رحمه الله الموسوم بـ " دلائل التوحيد " في المجلّة منجّماً على حلقات ، و قد تولّى  القاسمي في هذا الكتاب الردّ على شبهات الملحدين و تفنيدها بأدلة كلامية جدلية . و إلى جانب هذا خصّص موضوعاً  للنقاش بعنوان : " أي العقيدتين ستنتصر في هذا العصر أعقيدة التديّن أو الإلحاد ؟ " فكانت الردود القيّمة من الكُتّاب و المفكّرين و العلماء  تنهال عليه بما يشفي الغـليل ، و يكشف زيف الإلحاد ، و هشاشة مبادئه .
و في باب رد الشبهات على الدين تطرّق الشيخ رحمه الله إلى الدفاع عن السنة النبوية ضد مطاعن المستشرقين و أذنابهم ، و بخاصة ما يثيرونه حول حجّـية الحديث النبوي و التشكيك في صحّته ، فناقش هذه القضية و فنّد شبهات أصحابها منبّهاً على خطورة هذه القضية و مجافاتها لروح البحث العلمي ، إذ يقول : " الحديث أو السنة هي أقوال النبي صلى الله عليه و سلم و أفعاله و تقريراته ، و قد أجمع علماء الإسلام على وجوب العمل بما صحّ منها ، و الأخذ بما ترمي إليه في كل أمر و لم يخالف في ذلك إلا من لا يُـعتدّ به من المنتسبين إلى الإسلام ظاهراً ، و قد أضمر في باطنه له البغض و العداء ، و ما زال أمثال أولئك الشذّاذ يظهرون في كل عصر و مصر ، و يجاهرون بمثل هذا الرأي السمج بدون خجل و لا حياء " . ا هـ .  ثم يسوق رحمه الله شبهاتهم ، و يكرّ عليها بالإبطال بحجج قوية و متينة مستنداً على ثقافته الشرعية الثريّة ، و منهجه السلفي الواضح البيّن . 
قضيّة تغريب المرأة و إفسادها :
و من القضايا المهمّة التي تناولها الشيخ بالتحليل و المتابعة في مجلّته قضيّة :الحجاب و الدعوة إلى السفور ، فقد وقف بالمرصاد لمحاولات نزع حجاب المرأة المسلمة ، و إخراجها من فطرتها لتزاحم الرجال فيما اختصّهم الله تعالى به ، و نبذ ما قد خلقها الله تعالى لأجله من رعايةٍ للأولاد و تنشئةٍ للأجيال المسلمة . و اهتمامه بهذه القضية كان دليلاً آخر على وعيه و إحاطته بما يجري في العالم الإسلامي من مكائد و دسائس ، رغم أن بلده الكويت  كانت بعيدة آنذاك عن حبائل هذه الدعوة الخبيثة ، إلا أن الشيخ كان يحمل همّ الأمّة بأسرها و لم ينكفيء على  قضايا بلده . و من جهة أخرى يُحسب له هذا النذير كإحراز قصب السبق في دقّ ناقوس الخطر من بوادر تغريب المرأة الكويتية خصوصاً ، و الخليجية عموماً.
و هو في نقاشه لدعاة السفور و نزع الحجاب لم تكن تأخذه غُـلواء الردود و فرْط الحماس للرأي  ، فيفقد رجاحة العقل و معايير الإنصاف و العدل ، بل كان يُقرّر حقّ المرأة في التعلّم و التهذيب و لكن بما يتوافق مع فطرتها ، و خصوصيّـتها الأنثوية ، يقول : " و بعد ، فنحن و إن كنا من خصوم سفور المرأة و كشف الحجاب ، فلسنا من خصوم تعليمها و تهذيبها ، كيف و نحن نرى العلم في الشرع الإسلامي فرضاً على كل مسلم و مسلمة ، و نراه فوق هذا زينة لكلا الجنسين ؟ نعم نراه كذلك إلا أن للرجل نصيباً منه لا يسوغ للمرأة مشاركته فيه ، و للمرأة منه نصيباً منه لا يسوغ لها تعدّيه . يجب عليها قبل كلّ شيء الإشتغال بما يصلح دينها و عقيدتها و ما ينعم بيتها و أولادها ، و ما يهذّب آدابها و أخلاقها مما لا يخرجها عن طبيعتها و لا يبعدها عما خُلِقت له أو يشغلها عن واجبتها الضرورية . " أ هـ .
و في باب التقريظ  والإنتقاد كان يتابع أحدث الكتب المتعلّقة بهذه القضية ، و منها على سبيل المثال كتاب  " المرأة بين الماضي و الحاضر " ، لمحمود افندي خيرت ، و كتاب " المدنية و الحجاب " ، لسليم افندي حمدان . و يورد أحياناً مقالاتٍ مترجمةً لبعض رجال الفكر الغربيين و شهاداتهم في قضايا المرأة و انحرافها و ما آل إليه أمرها في مجتمعاتهم  . و قد كان الشيخ رحمه الله يتبنى أسلوباً معيّناً في الردّ على المخالف المكابر ، فلا يذكر في مناقشته شيئاً من النصوص الشرعية التي لا ينقاد لها المكابرون ، بل يورد أقوال من هم في موضع التوقير و الإحترام عند المخالف ، حتى تكون الحجة أبلغ ، و تقطع على الخصم سُبـُل الإلتفاف و المناورة ، إذ يقول : " و لو كان من نخاطبهم اليوم في شأنهم من الإنصاف في شيء لاكتفينا معهم بسرد ما قال الله و رسوله عليه السلام و ما قاله علماء الإسلام في أمرها ، و لكنهم و هم لا يحترمون إلا آراء أمثال أولئك الحكماء و الفلاسفة فقد رأينا من الحكمة برّاً بوعدنا السابق أن نخاطبهم بلسانهم و أن نعرض عليهم آراءهم فيما ننعـيه من آثار سيئة في الفرد و المجتمع و ما تجرّه من مصائب على عشّاقها " . ا هـ .
الصراع بين القديم و الجديد في الأدب :
و من القضايا التي شغلت المجلّة قضيّة : الصراع بين القديم و الجديد في الأدب ، و في واقع الأمر كان الإهتمام بتلك القضية رجْعَ صدى للمعركة الدائرة في مصر ، و التي انقسم حولها الأدباء إلى فريقين : الأول : بزعامة الأديب " مصطفى صادق الرافعي " رحمه الله ، و الثاني : بزعامة " سلامة موسى " ، فانحاز الشيخ بطبيعة الحال إلى صفّ مصطفى صادق الرافعي الذي يمثّل أصالة الأدب العربي و المحافظة على تراثه و عراقته ، و وقف في وجه  سلامة موسى  و محاولاته انتقاص الأدب العربي و الحطّ من قيمته ، و ناقش الشيخ رحمه الله بعضاً من أدلة سلامة موسى  مناقشةً موضوعيةً تنمّ عن علوّ كَعـْبٍ في قضايا الأدب و الفكر مع إلمامٍ بالمتغيّرات ، فمثلاً عالج قضية الحرية التي طرحها موسى كحجة في تبرير الخروج على قوانين الأدب و رسومه ، فقال معقّباً على كلام سلامة موسى  : " إذا كانت الحرية التي يتطلّبها للأدب هي أن يأخذ أبناؤه من كل أدب قديماً أو حديثاً و أن لا يجمد على استعمال قوانينه القديمة التي استبان عوارها لأهل البصر و الفكر ، و أن يتدرّجوا فيه كما يتدرّجون في شئونهم الحيوية ، و أن يقتبسوا من أدب مجاوريهم ما يزيده بهاءً و جمالاً  إذا كان سلامة يريد هذا فإنا نعاهده على الدعوة إليه و على السير في سبيله و لكن الذي يحزننا و ( ياللأسف ) أن ( حضرته ) يريد بالحرية للأدب ما هو أوسع مما سمعت، يريد أن يكون أدب البشر أحطّ من أدب الحيوانات العُجْم ، و أن يرجع إلى الوراء خطوات واسعة لا تُحصى ، يريد أن يجري الأديب لمسافة في كل موضوع بحريّة لا قيد فيها و لا شرط ، فيصوّر ما يخالج ضميره من إلحاده و زندقته و آرائه المتطرّفة و أفكاره السقيمة كما يهوى و يشاء ، و أن يرسم بريشة قلمه من المهازل و الصور و الأوصاف ما يندى له حتى جبين المعتوه عرَقاً " . انتهى بتصرّف .
و إلى جانب هذا الجدل حول القديم و الحديث زخرت المجلة بإبداعات شُعراء شتىّ من الكويت و الخليج العربي و الجزيرة العربية ، نشروا الكثير من إنتاجهم الأدبيّ  خلال هذا النافذة التي أشرعها لهم الشيخ عبدالعزيز الرشيد ليتعرّف العرب على الإنتاج الأدبي و العلمي لإخوانهم في هذه البلاد التي تكاد تكون معزولة عنهم ،  و نذكر منهم : صقر الشبيب ، و خالد الفرج ، محمود شوقي الأيوبي ، و محمد بن عثيمين ، و عبدالله العبدالقادر الإحسائي ، و محمد الفراتي ، و عبدالمحسن أبا بطين ، و غيرهم الكثير ممن كانت المجلّة توثيقاً و تخليداً لأعمالهم الأدبية .
نهاية المجلة :
توقّفت المجلة بعد عامين من صدورها ، و بعد أن أكملت عشرين عدداً في مجلّدين ، و كان هذا التوقّف المفاجيء و المؤلم لمحبّي المجلة و متابعيها بسبب سفر الشيخ عبدالعزيز الرشيد إلى أندونيسيا من أجل الدعوة و التدريس في تلك البلاد ، و لبث الشيخ فيها يمارس أنشطة الدعوة و التدريس و الصحافة حتى توفّاه الله تعالى عام 1937 م ، بعد حياة حافلة و زاخرة بالعطاء الدعويّ السخيّ . 
و بالرغم من قِصَرِ عُمر مجلته الكويت إلا أنها كانت ذا أثرٍ كبيرٍ و ملموسٍ في مسيرة الصحافة الكويتية خصوصاً ، و الصحافة الإسلامية عموماً . و المُطالع لتقاريظ كبار رجال العلم و الفكر و الأدب المنشورة في المجلة سيلمس حقيقة حجمها الكبير ، و أثرها الفاعل في العالم العربي . فرحم الله تعالى الشيخ رحمة واسعة و رفع مكانته في عليين على ما قدّم من نصرةٍ للدين ، و خدمةٍ لبلده و مجتمعه ، و الله تعالى وليّ التوفيق .     
المراجع :
1 أعداد " مجلة الكويت " مارس 1928 مارس 1930 م ، أصدرها الشيخ عبدالعزيز الرشيد ، تصوير و نشر دار قرطاس .
2 " الشيخ عبدالعزيز الرشيد ، سيرة حياته " ، د . يعقوب الحجي ، مركز البحوث و الدراسات الكويتية ، 1993 م .
3 " صحافة الكويت ، رؤية عامة بين الدوافع و النتائج " ، د . محمد حسن عبدالله ، منشورت مجلة دراسات الخليج و الجزيرة العربية ، 1985 م .