بسم الله الرحمن الرحيم
(1)
ما
هو أساس علاقة أمريكا بإسرائيل ..؟ أهو المصلحة السياسية و الإقتصادية ..؟ أم
الرابطة العقائدية ..؟ أم كلاهما معا .. ؟
هذه
الأسئلة تطرح نفسها باستمرار حينما تتفاقم الأحداث في منطقة الشرق الأوسط كما يحصل
الآن في فلسطين و غيرها ، و يبدأ الكثير من المراقبين و المحللين بمراجعة تصوراتهم
لهذه القضية ، لا سيما الذين يصرون على إبعاد العامل الديني عن هذه العلاقة
الوثيقة الحميمة ، إذ أن أمريكا تفقد كثيرا من
المكاسب التي تحققها في المنطقة كضريبة لوقوفها بجانب إسرائيل في أعمالها
الإجرامية ، و لا أدل على ذلك من خسائرها مؤخراً
بما يجعل افتراض العامل العقائدي أمراً معقولاً ، لا سيما و الجميع يعي تنامي
التيار الأصولي في الإدارة الأمريكية .
تمهيد
قبل الحديث عن
تاريخ علاقة أمريكا باليهود يجب أن ننوّه على حقيقة مهمة ستستمر معنا طوال هذا
المبحث ، وهي أن أكثر الشعب الأمريكي ينتمي إلى الطائفة البروتستانتية التي كان
منها أوائل المهاجرين إلى أمريكا الذين فرّوا بدينهم من الإضطهاد الكاثوليكي الأوروبي
وقام على أكتافهم هذا الكيان الحالي لأمريكا .
ويستلزم منا
التسلسل المنطقي أن نبدأ بمعرفة علاقة النصارى مع اليهود في المذهب الكاثوليكي ، و
تغيّر هذه العلاقة في المذهب البروتستانتي حتى ندرك أسباب التداخل والتشابك بين
اليهود و البروتستانت إلى درجة الإندماج كما يبدو حاليا في مواقف أمريكا من
إسرائيل .. وكما قيل : إذا عُرف السبب .. بطل العجب .
موقف
الكنيسة الكاثوليكية الأوروبية من اليهود :
من خلال
إستقراء تاريخ العلاقة بين الديانتين نستطيع تلخيص موقف الكنيسة الكاثوليكية
الأوروبية تجاه اليهود بما يلي :
أولا : وفقا
للعداء التقليدي بين اليهود والنصارى تعرض اليهود للإضطهاد المرير على يد الكنيسة
الكاثوليكية في جميع أنحاء أوروبا مما حدا بعض اليهود للهروب إلى رحاب دولة
الإسلام بحثا عن العدالة و الرحمة التي فقدوها عند إخوانهم النصارى .
ثانيا : إتخذت
الكنيسة الكاثوليكية موقفا حازما مع اليهود برفضها التصالح مع اليهود إلا إذا
إعترفوا بالمسيح كإبن للإله واعتناق النصرانية .
ثالثا : لم
تحتلّ فكرة عودة اليهود إلى أرض الميعاد ( فلسطين ) أي مكان في العقيدة
الكاثوليكية ، وسبب هذا أن الرهبان يرفضون التفسير الحرفي للتوراة واستخدمت الكنيسة أسلوب
التأويل المجازي للنصوص التوراتية . أضف إلى ذلك أن المسيح عليه السلام في الكلام
المنسوب إليه أشار إلى أن مملكة الله ليست كيانا سياسيا يلم شمل اليهود وإنما هي
حقيقة روحية موطنها القلب ، فيقول إنجيل ( لوقا ) : " ولما سأله الفريسيون
متى يأتي ملكوت الله أجابهم وقال : لا يأتي ملكوت الله بمراقبة ولا يقولون هو ذا
ها هنا أو هو ذا هناك لأن ملكوت الله داخلكم " ، بالإضافة إلى أن جميع النصوص
التي تتنبّأ بعودة مملكة بني إسرائيل صُرفت إلى أن هذه المملكة تعني الكنيسة
المسيحية .
نرى من خلال
هذا العرض الموجز أن اليهود لم يكن لهم أدنى إحترام أو وزن في ظل الكاثوليكية ،
وأن النصوص التوراتية والإنجيلية قد إستخدم الرهبان والقسس في شرحها وتفسيرها
أسلوب التأويل والمجاز لصرفها عن ظاهرها ، ومن بينها نبوءة عودة اليهود إلى أرض
الميعاد ( فلسطين ) . ولكن هذه النظرة لم تستمر ، بل إنقلبت إنقلابا مفاجئا على يد
البروتستانية أتباع " مارتن لوثر " عندما ثار على الكنيسة الكاثوليكية
لعدة أسباب من ضمنها - وهو ما يهمنا هنا - إحتكار الرهبان والقسس تفسير النصوص
الدينية ، وعدم السماح لغيرهم بتفسيرها و فهمها .
موقف
البروتسانتية من اليهود :
أحيت البروتستانتية
النصوص التوراتية و كسرت حق إحتكار الكنيسة الكاثوليكية لتفسيرها وتأويلها ، فكان
العهد القديم ( التوراة ) المرجع الأول لفهم العقيدة النصرانية و تفسيرها ،
واعتُبرت اللغة العبرية لغة الدراسة الدينية المعتمدة على إعتبار أنها هي اللغة
التي أوحي بها من الله .
تبعا لذلك
تغيرت النظرة السلبية من اليهود إلى نظرة فيها شيء كبير من الإحترام والتقدير
لليهود ، وهذا ما جعل بعض المؤرخين يرى أن البروتستانتية حركة يهودية بحتة هدفها
إعادة الإحترام لليهود من قبل النصارى ، وهذا لا نجزم به بل يحتاج إلى جهد كبير من
البحث والتنقيب ، وإن كنّا نرجح كما قال الأستاذ محمد قطب : أن اليهود لا يخلقون
الفرص بل يستغلون الفرص .
بعد هذا
التسامح مع اليهود في ظل البروتستانتية بدأت بعض الأفكار اليهودية تتسلل إلى الفكر
النصراني ، من ضمنها أن اليهود شعب الله المختار وهم أفضل من غيرهم من الشعوب .
وأن ثمة ميثاقا إلهيا يربط اليهود بالأرض المقدسة في فلسطين وهو ميثاق أعطاه الله
لإبراهيم عليه السلام وهو ميثاق سرودي إلى قيام الساعة . وكذلك ربط الإيمان
المسيحي بعودة المسيح بقيام دولة صهيون ، وذلك بتجميع اليهود في فلسطين حتى يظهر
المسيح فيهم .
الإضطهاد
الكاثوليكي للمذهب البروتستانتي وهروب بعض معتنقيه إلى أمريكا :
لم يكن الطريق
مفروشا بالورود أمام البروتستانت بعد إعتناقهم هذا المذهب الجديد ، فقد دفعوا
ضريبة فادحة في مذابح شنيعة - يطول فيها الكلام - على يد بني جلدتهم الأوروبيين ..
و إخوان ملتهم الكاثوليك في جميع أنحاء أوروبا ، ولكن الشاهد هنا أن بعض
البروتستانت فروا بدينهم من هذا الإضطهاد إلى بريطانيا وإيرلندا إلى العالم الجديد
" أمريكا " ، وكانت أول سفينة تقلّهم هي ( my flower ) وتحمل على متنها مجموعة كبيرة من أبناء
الطائفة البروتستانتية المتشددين ممن يسمّون بالتطهريين ( Puritans ) ، وحملوا معهم اللغة العبرية لغة العلم
التوراتي .. وتفسيرات العهد القديم ، و أسسوا مستوطنات في العالم الجديد ظهر فيها
الطابع العبراني بشكل واضح ، فسمّوا بعض مدنهم الجديدة أسماء عبرية مثل ( سالم )
وهي مستقاة من كلمة ( شالوم ) العبرية ، وسمّوا كذلك أبنائهم أسماء مأخوذة من
التوراة مثل سارة و إبراهيم و ألعازر و داود وموسى .
وكان أول كتاب
ينشر في هذا العالم الجديد كتاب يهودي اسمه ( pay psalm ) وهو ترجمة مباشرة للكتاب التوراتي سفر
المزامير .
الأثر
الديني في بواكير تكوين المجتمع الأمريكي :
من هنا ندرك
الأثر البروتستانتي المتشبع بالروح العبرانية وأثره في إرهاصات إنشاء هذه الدولة
الفتية ، فالتأثير إستمر ولم يتضاءل في تكوين النسيج الإجتماعي الأمريكي ، ونلمح
أيضا خطأ من إعتقد أن المجتمع الأمريكي في بداياته كان مجتمعا علمانيا بحتا بل أنه
كان ثمة مفاهيم متشددة شاعت في ذاك المجتمع إلى درجة تحريم العمل في المسرح لكونه
وسيلة هدم للأخلاق .. يقول " نورمان كوروين " : ولم تكن أمريكا اليافعة
بهذا التحرر ؛ لأن الدراما ولوقت طويل من قِبل المتزمتين الذين ازدهروا في بوسطن
وفيلادلفيا طريقا سريعا إلى جهنم ، وفُرض قانون طُبّق في بنسلفانيا في هذه الفترة
غرامة 500 دولار لأي فرد يقدّم أو يمثّل في مسرحية !! " . ويقول أيضا :
" وكان يُنظر إلى المسرح في أواسط القرن الماضي على أنه مدرسة للرذيلة
والفساد ، والذي يمرّ الآلاف من خلاله إلى أحضان الحماقة واللهو والإسراف والخلاعة
والخزي والدمار ، وكثير من أصدقاء الرئيس ( لنكولن ) كانوا يتمنون لو أنه قُتل في
أي مكان غير المسرح !! " ..
(2)
في الحلقة
الأولى تحدثنا عن الجذور التوراتية وأثرها في تشكيل المذهب البروتستانتي ، وكيف أن
أغلبية المهاجرين الأوائل إلى أمريكا كانوا من البروتستانت الفارين من الإضطهاد
الكاثوليكي الأوروبي فنقلوا معهم إلى هذه البلاد الجديدة ثقافتهم التوراتية ، وكيف
أن المذهب البروتستانتي كانت له الهيمنة والسيادة لفترة طويلة على البنية الدينية
والإجتماعية للمجتمع الأمريكي .
وكما نعلم أن
البروتستانتية عندما ثارت على الكاثوليكية كانت هذه الثورة سببا في تقليص دور السلطة
البابوية لحساب سلطة الدولة ، و لكنه لما بدأت الهجرات للشعوب الكاثوليكية من
أمريكا الجنوبية و أوروبا تتوافد على أمريكا ، وبدأ الكاثوليك بمنافسة البروتسانت
في الهيمنة على مناطق أمريكا خشي البروتستانت على هذه المكتسبات واضطروا إلى
الرجوع للمناداة بالمبدأ المسيحي التقليدي وهو " فصل الدين عن الدولة "
، وبالفعل تم تعديل الدستور الأمريكي في أول تعديل له في التاريخ ، ونص على فصل
الدين عن الدولة في عام 1789 م .
ورغم هذا
الفصل النظري إلا أنه من الناحية العملية ظل تأثير الكنيسة على مؤسسات المجتمع كما
هو بل ازداد واتسع ليمتزج بجميع شئون الحياة ليصبغها بصبغة دينية بروتستانتية
واضحة ، واستخدمت في هذا السبيل جميع الوسائل والأساليب التي تستخدمها عادة
المؤسسات والجماعات العلمانية ، ولعل هذا نابع من تميز المذهب البروتسانتي الذي
كوّن بفلسفته العملية إحدى إرهاصات نشوء المذهب الرأسمالي مما جعل بعض الفلاسفة
يدرسون ويحللون هذه الظاهرة كالفيلسوف " ماكس فايبر " في كتاب "
الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية " .
ومهما يكن من
أمر يتضح هنا خطأ مقارنة الكنيسة الأمريكية بالكنيسة الأوروبية التقليدية المنغلقة
على نفسها والبعيدة عن مكامن التأثير على المجتمع ، يقول القس " برايان هيهر
" في ندوة حول الكنائس الأمريكية والشرق الأوسط : " ليست الكنائس مجرد
مؤسسات رئيسية في الولايات المتحدة الأمريكية ، بل هي مؤسسات إعلامية أيضا … وهي
ليست أحزابا سياسية لكن دورها يأتي في تشكيل و تعبئة جمهور من الأنصار الملتزمين
والمهتمين بالمسائل السياسية الخارجية " .
و يقول المفكر
الأمريكي " مارتن مارتي " : " ويشاهد المستطلعون والسياسيون
الحقيقة بأن الأمريكيين يريدون أن يكونوا متدينين ، أو أن يفكروا في أنفسهم
باعتبارهم أمة ( تحت رعاية الرب ) فهم يرون الديانة بطريقة ما مفيدة للحضارة
والشخصية الخاصة و المدنية .. وكلا القطاعين العام والخاص أشارا إلى تقديرهم للقوة
الدينية في أمريكا ؛ ففي خلال ازدهار العقارات في منتصف القرن أصبح من خواص
السماسرة الإعلان عن الأحياء الجديدة ، والمناطق الجديدة ، واحتوائها ليس فقط على
المدارس ؛ ولكن مع وفرة بالكنائس أيضا " .
و يقول
الدكتور " محمد عصفور " : " ليس صحيحا أن المجتمع الأمريكي شعب لا
يهتم بالدين أو يحرص على إبعاد الدين عن السياسة ، بل إن الشعب الأمريكي هو من أشد
الشعوب الأمريكية تدينا .. وليس ذلك غريبا وخصوصا مع قوة تراث المتطهرين " Puritans " في الشخصية
الأمريكية . حتى إن بعض المحللين الإجتماعيين يردون إلى تقاليد المتطهرين تقبّل
الشعب الأمريكي الرقابة على الضمائر والسلوك وهي رقابة ترفضها الشعوب الأوروبية ،
فقد كان من بين تقاليد المتطهرين أنه كان للراعي كأخ أكبر الحق في أن يفتش مساكن
إخوانه المؤمنين في أي وقت ليتأكد من أنهم يديرون منزلا مسيحيا حقيقيا ! " .
ويقول الدكتور
: يوسف الحسن : " وباختصار ، يمكن القول إن تأثير الكنيسة على الحياة
الأمريكية كبير . فالدين في المجتمع الأمريكي يمتزج بكل شيء ، و من خلاله يمكن
القيام بكل شيء " .
و هذه الهيمنة
الدينية على المجتمع الأمريكي لم تأت من خلال الإرث الديني التاريخي فقط بل لا بد
من التعرض إلى الدور الهام الذي لعبته ما تسمى بـ " الحركة الأصولية المسيحية
" والتي تُعتبر أعلى أشكال النضج للعمل الكنائسي المنهجي والمنظم في أمريكا ،
وهي تضم أغلبية بروتستانتية ساحقة ، بالإضافة إلى أغلبية من العرق الأنكلوسكسوني
الأبيض ( W A S
P
) وهو إختصار لـ ( White Anglo - Saxon Protestant ) أي " البروتستانت الأنكلوسكسون البيض " و التي تعتبر
الطبقة الأرقى في المجتمع الأمريكي ، وهي حركة تعتنق الأفكار الصهيونية بشكل واضح
ولا غرابة في ذلك فهي نتيجة حتمية للإتفاق الحاصل بين الطائفتين " اليهود
" و " البروتستانت " في كثير من القضايا - كما رأينا من قبل في
الحلقة الأولى - من أهمها أن فلسطين أرض الميعاد لليهود ، وكون اليهود شعب الله
المختار ، وأن الله قد أعطى إبراهيم ميثاقا سرمديا بذلك ، وأن المسيح سيعود على
رأس ألفية ميلادية ولا بد من تجميع أتباعه اليهود لمحاربة الوثنيين "
المسلمين طبعا " في سهل " هرمجيدون " !! وما إلى ذلك من هذه
العقائد الدينية التي يشتمل عليها التوراة " العهد القديم " .
و قد استخدمت
هذه الحركة الأصولية المسيحية - كما سنرى - أهم الوسائل والأساليب المتاحة لها في
نشر هذا الفكر الديني النصراني في المجتمع ، ومن ثمَّ بلورة وتشكيل الرأي العام
الأمريكي وفق هذه المفاهيم الدينية .
ففي
مجال تعليم :
بادرت الكنيسة
الأمريكية بإنشاء مؤسسات تعليمية نظامية تُدرّس فيها العلوم الدينية بشكل واسع و
تضم جميع أفراد المجتمع بلا إستثناء .
في مجال
التعليم العالي على سبيل المثال أسست الكنيسة - بأموالها الطائلة - جامعات شهيرة
مثل : جامعة " هارفارد " عام 1636 م - التي كانت تدرس فيها اللغة
العبرانية و تفسير النصوص التوراتية كمواد أساسية لا بد من إجتيازها - ، وجامعة
" ييل " عام 1710 م ، وكذلك جامعات كانت ذات علاقة بالكنيسة الأمريكية
بشقيها " البروتستانتي " و " الكاثوليكي " مثل " الجامعة
الأمريكية " وجامعة " جورج تاون " و " الجامعة الكاثوليكية
" في العاصمة واشنطن ، و كذلك جامعة " ديتون وبيلور " في ولاية
تكساس ، وجامعة إموري في مدينة أتلانتا ، وكلية بوسطن وجامعة دنفر في كولورادو ،
وجامعة ديوك في كارولينا الشمالية .. وغيرها .
وتملك الكنائس
عدة مئات من المعاهد والكليات في جميع أنحاء أمريكا ، ففي عام 1982 بلغ عدد معاهد
التعليم المعاهد العالي التي تنضوي تحت التعليم الكنسي 1978 معهدا . وبالنسبة
للمدارس الدينية اليومية ففي عام 1955 كان عدد هذه المدارس 123 مدرسة في حين قفز
هذا الرقم قفزة هائلة إلى 118 ألف مدرسة !! .
فالتعليم
الديني في أمريكا إتسع أفقه .. و بدأ بالإنتشار ، وأخذ يستقطب كافة الشرائح
والقطاعات ، و حظى باكتساب ثقة المجتمع الأمريكي بنمو مطرد ، ولا نستغرب إذا علمنا
أن غالبية الشعب الأمريكي بات يثق بالتعليم الديني أكثر من التعليم الرسمي الحكومي
ففي استطلاع معهد " غالوب " في عام 1983 أن 62 % من الأمريكيين يثقون في
الكنيسة المنظمة بينما ثقتهم في التعليم العام الحكومي والمؤسسات الإجتماعية لا
تزيد عن 38 % .
في
مجال الإعلام :
إستخدمت
الكنيسة أيضا الإعلام بشكل واسع ، و بدأت بغزو المحطات الإذاعية والتلفزيونية ؛
ففي عام 1985 بلغ عدد محطات شبكات التلفزة للكنيسة المرئية حوالي 1500 ! .
أما محطات
الإذاعة الدينية فوصلت إلى 1400 محطة دينية ! تبث الواحدة منها حوالي 17 ساعة
يوميا ، وتبين إحصائيات معهد غالوب أن أكثر من نصف الأمريكيين يشاهدون برنامجا
دينيا أو أكثر مرة في الشهر على الأقل ، وفي عام 1981 قدّر هذا المعهد بأن 52
مليون أمريكي يشاهدون برنامجا أو أكثر من برامج الكنيسة المرئية شهريا . وارتفع
العدد عام 1983 إلى 60 مليون شخص . وفي تقدير آخر منشور كذلك إن عدد مشاهدي برامج
الكنيسة المرئية وصل إلى 25 مليون شخص أسبوعيا في عام 1984 .
وهذه الشبكات
الإعلامية الدينية الكنسية واقعة في أغلبها تحت سيطرة " الحركة المسيحية
الأصولية " بشكل مباشر ، وبرز على الساحة الإعلامية نجمان من نجوم هذه
المحطات وهما " جيري فولويل " و " بات روبرتسون " اللذان
يتلقيان أموالا أكثر مما يتلقاه الحزبان الرئيسيان في أمريكا " الديمقراطي
" و " الجمهوري " !! .
الحركة المسيحية
الأصولية و مدى تأثيرها في صنع القرار السياسي لصالح إسرائيل
رأينا كيف أن
الحركة المسيحية الأصولية كان لها قدرة على التأثير وبشكل فاعل في بلورة الرأي
العام الأمريكي فأصبحت بالتالي إحدى أقوى جماعات الضغط التي تشارك في صياغة وصنع
القرار السياسي الأمريكي ، و ذلك لقربها من مواقع صنع القرار فهي تضم النخبة من
الأعراق الأمريكية ( الأنكلوسكسون البروتستانت البيض ) من ناحية ، ومن ناحية أخرى
قوة تأثيرها على المجتمع في استخدامها لأهم وسيلتين مؤثرتين في صياغة و تشكيل
الرأي العام و هما التعليم والإعلام ؛ لذا لا نعجب أن نرى الكثيرين من الساسة قبيل
الإنتخابات يغازلون هذه الكنائس في محاولة كسب تأييدها والإنتماء إليها كما يفعل
المرشحون للرئاسة الأمريكية ، و على سبيل المثال لا الحصر المدعو " مايك
إيفانز " وهو من أبرز الإعلاميين الدينيين في أمريكا و له برنامج مشهور إسمه
" إسرائيل مفتاح أمريكا للبقاء " ، و هو أحد زعماء الحركة الأصولية
المسيحية المتشددين يعتبر من أخلص أصدقاء الرئيس " ريغان " ومن بعده
الرئيس " بوش " ، تقول عنه " غريس هالسيل " في كتابها المعروف
" النبوءة والسياسة " : " إن القس مايك إيفانز هو صديق لجورج بوش
وأنه يحتل مكانا مرموقا في الحزب الجمهوري ، ويتحرك في صفوف الناخبين ويحثهم على
إنتخاب أمثال : ريغان و بوش ، إنه يؤمن بأمريكا مؤيدة لإسرائيل " . وقد اجتمع
به الرئيس ريغان مع " جيمس بيكر " و " جيمي سواغارت " و
" جيري فولويل " في عام 1985 وقال لهم : " إنني مؤمن بذلك من كل
قلبي ، إن الله يرعى أناسا مثلي ومثلكم في صلاة وحب ابتهالين لإعداد العالم لصورة
ملك الملوك وسيد الأسياد " وهو يعني بذلك المسيح .
أما "
جيري فولويل " وهو أحد أبرز قياديي الحركة المسيحية الأصولية ، ولديه منظمة
تدعى " منظمة الأغلبية الأخلاقية " وهو ذو ميول صهيونية واضحة إذ يقول :
" إن دعم الولايات المتحدة لإسرائيل ليس من أجل مصلحة إسرائيل ولكن من أجل
مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية نفسها " . و يحظى هذا الزعيم بصداقة من نوع
خاص جدا لدى الرئيس " جورج بوش " .
أما "
بات روبرتسون " وهو من أشهر نجوم التلفاز إذ نافس في شهرته نجوم الرياضة
والتمثيل والغناء في أمريكا ! وهو يملك محطة تلفازية تغطي أكثر من 60 دولة وتستخدم
الأقمار الصناعية في البث و يستقبل أكثر من 4 ملايين مكالمة يومية عن طريق الخط
المجاني رقم 800 ، و من قوة حضوره الإعلامي ونفوذه في المجتمع الأمريكي تقدم
لترشيح نفسه للإنتخابات الرئاسية عام 1988 ولكنه تنازل لحبيبه " جورج بوش
" ربيب الكنيسة الإنجيلية الأصولية .
وكذلك "
جورج أوتيس " صاحب المنظمة المشهورة التي تسمى بـ " رعوية المغامرة
الكبرى " التي تؤمن بحرفية التوراة وأنها كتاب من عند الله ، وهي تؤمن بأن
المسيح سيعود مرة أخرى ، ولا بد من إعداد العدة لذلك بدعم وجود إسرائيل بكافة
الطرق والوسائل ، إذ تقول هذه المنظمة في إحدى إعلاناتها : " نحن ملتزمون
بأمن إسرائيل كما نؤمن بأن كل الأرض المقدسة هي ميراث للشعب اليهودي ، غير قابل
للنقل أو التصرف ، وهو الوعد الذي أُعطي لإبراهيم وإسحاق ويعقوب ، ولم يلغ قط
" ، وتقول أيضا : " كما أن إنشاء إسرائيل الحديثة هو إيفاء لا ينازع
للنبوءة التوراتية ، ونذير بمقدم المسيح ، ونعتقد أن اليهود في أي مكان ما زالوا
هم شعب الله المختار وأنه يبارك من يباركهم ويلعن من يلعنهم " .
أما على مستوى
الرؤساء الأمريكيين فتطالعنا بين الفينة والأخرى خطب وتصريحات تحمل في طياتها
الرموز التوراتية الدالة على أن موقف أمريكا من إسرائيل موقف عقائدي نابع من
التراث الديني المشترك بين الدولتين ، ففي مارس عام 1979 تحدث الرئيس " كارتر
" أمام الكنيست الإسرائيلي قائلا : " لقد آمن سبعة رؤساء أمريكيين
وجسدوا هذا الإيمان بأن علاقات الولايات المتحدة الأمريكية مع إسرائيل هي أكثر من
علاقة خاصة ، بل هي علاقة فريدة لأنها متجذرة في ضمير وأخلاق ودين ومعتقدات الشعب
الأمريكي نفسه … لقد شكل إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية مهاجرون طليعيون ،
ونحن نتقاسم تراث التوراة !! " .
ويقول "
بريجنسكي " مستشار الرئيس كارتر لشئون الأمن القومي : " أن العلاقات
الأمريكية - الإسرائيلية هي علاقات حميمة مبنية على التراث التاريخي والروحي
" .
أما النائب
الأسبق " بوب فيندلي " فينقل في كتابه الشهير " They Dare to Speak " حديثا
للسيناتور " روجر جيسون " عام 1981 في مؤتمر صهيوني حول تأييده الدائم
لإسرائيل بسبب دينه المسيحي ، وأن المسيحيين وبخاصة الإنجيليين هم من أفضل أصدقاء
إسرائيل منذ ولادتها عام 1948 . و يشير إلى أسباب البركة التي حلت على أمريكا
ويعزو سببها لتبنّيها إسرائيل ! فيقول : " لأننا أكرمنا اليهود الذين لجأوا
إلى هذه البلاد ، وبورك فينا لأننا دافعنا عن إسرائيل بإنتظام ، وبورك فينا لأننا
إعترفنا بحق إسرائيل في الأرض " .
و تصريحات
الساسة الأمريكان التي تشير إلى أن التعاون بين أمريكا وإسرائيل نابع من الإرث
الديني المشترك بين الدولتين كثيرة ولا تعد ، وقد يتحجج البعض بأن الساسة يستخدمون
أحيانا الشعارات الدينية لكسب الأنصار في اللعبة الإنتخابية ، و لكن في حقيقة
الأمر أن هذا إقرار ضمني بقوة تأثير التيار الديني في المجتمع الأمريكي الأمر الذي
دفع هؤلاء الساسة إلى محاولة كسب الجماهير عن هذا الطريق فلو لم يكن للدين قيمة
إجتماعية لما استخدم هؤلاء هذا النوع من الخطاب ، و لو تجاوزنا هذه القضية جدلا (
أي استخدام الساسة للشعارات الدينية للمكاسب الإنتخابية ) لألفينا أن الواقع
العملي لا يختلف في أي حال من الأحوال عن الشعارات المطروحة ، و هذا واضح لأبسط
الناس فهما للسياسة .
وقفات
لا بد منها :
- هناك قضية ينبغي التنبه إليها وهي أنه رغم التوافق بين الحركة الصهيونية الأمريكية والحركة المسيحية الأصولية إلا أن ذلك لا يعني التوافق التام في جميع القضايا ؛ بل ثمة في الواقع هامش من الإختلاف بين الحركتين في قضايا عدة مثل : الإجهاض ، و التحرر الإجتماعي ، و الشذوذ الجنسي ، و التبشير .. ولكن هذه الإختلافات لا أثر لها في نقاط الإتفاق العامة التي تسعى لها هاتان الحركتان . فهما يعملان على شكل خطين متوازيين يلتقيان أحيانا ويفترقان أحيانا أخرى ، ولكن في النهاية المصب واحد وهو : خدمة إسرائيل .
- أن المستقبل - و الله وحده أعلم - و كما يرى المحللون و من أبرزهم " صموئيل هنتنجتون " صاحب نظرية صراع الحضارات سيشهد نموا مطردا في إتجاه هذا المجتمع نحو التدين ، لاسيما بعد سقوط الأيديولوجيات والإتجاهات الفكرية كالإشتراكية و الوجودية وغيرها ، و عجز نمط الحياة الغربي المعاصر من إشباع الحاجات الروحية والأخلاقية للمجتمعات الغربية عموما و المجتمع الأمريكي خصوصا ، وهذا واضح تماما في ظل التنامي الملحوظ للحركات الدينية الأصولية في كل بلدان العالم .
- أن تفسير الترابط بين أمريكا وإسرائيل من خلال جعل أساس العلاقة هو المصلحة رأي له معقوليته و وجاهته ؛ ولكن هذا سيخلّف أسئلة لا إجابة لها ؛ مما يجعل التفسير بأن أساس العلاقة هي الرابطة الدينية هو التفسير المنطقي والمعقول ولا يمنع هذا من دخول المصلحة في هذه العلاقة ، ولكن المصلحة تدخل ضمنا .. و تبعا ؛ لا أصالة .. وابتداء .
- وفي الختام ، يجب أن نعلم أن الصراع بين الخير " الإسلام " و الشر " الكفر " سنة كونية إلهية منذ بدء الخليقة ، فإذا وضعنا نصب الأعين هذه القاعدة المنبثقة من التصور الإسلامي للكون و الحياة والإنسان نستيقن أن هذا الصراع عقائدي ديني يتسق مع حركة التاريخ و تعضده النصوص الشرعية من القرآن والسنة ومنها حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن الصراع مع اليهود : " لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود حتى يقول الشجر و الحجر يا مسلم يا عبدالله هذا يهودي ورائي فتعالى فاقتله " رواه البخاري .
وحديث النبي
صلى الله عليه وسلم عن قتال النصارى ( و هم الروم الذي يدخل فيهم الشعب الأوروبي و
الأمريكي ) : " لا تقوم الساعة إلا ويقاتلكم الروم و ينزلون في الأعماق
" وفي رواية " حتى تنزل الروم بدابق " رواه مسلم . قال الإمام
النووي في شرحه لصحيح مسلم : " الأعماق و دابق اسم موضع بقرب حلب في الشام
" .. فالمعركة المصيرية بين الكفر و الإسلام قادمة لا محالة ولكن …
متى ؟ الله
وحده أعلم ..
هل نحن
مستعدون لها ؟ هنا تكمن الإجابة المرّة ..
نسأل الله أن
يبصّر أبناء الأمة الإسلامية طريقهم .. وأن يصلح أحوالهم .. و أن يجعلهم يحملون هم
هذه المعركة .
المراجع :
" الأصولية الإنجيلية "
، محمد السماك
.
" البعد الديني في السياسة
الأمريكية تجاه الصراع العربي - الصهيوني " ، ( أطروحة دكتوراه ) د . يوسف الحسن .
" حقيقة العلاقة بين اليهود
والنصارى وأثرها على العالم الإسلامي " ، ( أطروحة ماجستير ) ، أحمد محمد زايد .
" النبوءة والسياسة " ،
غريس هالسيل ، ترجمة : محمد السماك .
" القدس بين الوعد الحق .. والوعد
المفترى " ، الدكتور : سفر الحوالي .
" كارثة الخليج .. و أزمة
الشرعية في العصر الأمريكي " ، د . محمد العصفور .
بعض أعداد
مجلات : العربي ، المجتمع ، البيان .
الحمداني - الساحة العربية