الأربعاء، 5 مارس 2014

أوراق متناثرة في تاريخ الصحافة الإسلامية .. " مجلة نورالإسلام " الأزهر "



أوراق متناثرة في تاريخ الصحافة الإسلامية .. " مجلة نورالإسلام " الأزهر " .
إعداد : مبارك القحطاني
إذا عـُدّت قلاع الدفاع عن الإسلام في هذا العصر ، فإن الأزهر سيكون في طليعتها ؛ إذ كان الأزهر و ما زال شوكةً في حلوق أعداء الإسلام ، و رُمحاً في صدور كلّ من يحاول العبَث بثوابت الأمة و سلخها عن دينها . فتصدّى الأزهر من خلال مكانته العلمية المرموقة و موقعه المؤثّر في الجماهير المسلمة لحملات التغريب و مسخ الهويّة الإسلامية للشعب المصري ، ذلك بأساليب تتناسب مع طبيعة المرحلة و مقتضياتها ، لذا كان الإهتمام منصبّاً في مطلعِ القرنِ العشرينِ ميلادي على وسيلةِ الصحافة ؛ فأصدر الأزهر عام 1924 م صحيفة " المؤتمر الإسلامي " ، لكنها لم تستمرّ طويلاً ، و  توقّفت بعد صدور خمسة أعداد منها .
و في شهر أكتوبر من عام  1930 أصدَر الأزهر صحيفة " نور الإسلام " ، و رَأس تحريرها الشيخ محمد الخضر حسين رحمه الله ، و أوضح في أول عدد منها أسباب إصدارها ، و منها :
1 - تعرَض الدين الإسلامي  لهجمات مسعورة شنّها طائفة من الملحدين و العلمانيين في الصحف و المجلات .
2 - الذود عن حمى الشريعة الإسلامية ، و تقرير حقائق الدين على وجهها الصحيح ، و مواجهة نشاط البعثات التبشيرية في مصر ، و العمل على هداية الناس و إرشادهم إلى الحق .
أما أهدافها فقد كانت على النحو التالي :
1 - نشر آداب الإسلام و إظهر حقائقه نقية من كل لبس .
2 - الكشف عما ألصق بالدين من بدع و محدثات .
3 - التنبيه على ما دس في السنة من أحاديث موضوعة .
4 - دفع الشبه التي يحوم بها مرضى القلوب على أصول الشريعة الإسلامية .
5 - العناية بسير العظماء من رجال الإسلام .
6 - نشر المباحث القيمة في العلوم و الآداب .
7 - لا تتعرض المجلة للشئون السياسية أو مهاجمة الأديان أو الطعن في رجال الدين و التعريض بهم .
8 - تبتعد عن إثارة الفتن بين أبناء الوطن الواحد . 
أبرز موضوعات المجلة و كتابها :
اهتمّت المجلة بتفسير القرآن الكريم ، و سيرة الرسول صلى الله عليه و سلم  ، و شرح السنة النبوية ، فخصّصت أبواباً ثابتة لهذه المقالات ، و أبواباً خاصة للفتاوى رداً على أسئلة القرّاء ، و حفلت المجلة بالكثير من الأبحاث العلمية المتعلّقة بعلوم الشريعة ، مثل : قضايا الإنحراف عن الدين و علله و آثاره و دوائه ، و البعث ، و الزكاة ، و صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان و مكان ، و علاقة الشريعة الإسلامية بالأخلاق ، و ضرورة الدين للعمران ، هذا إلى جانب بعض الفصول المترجمة من كتب أجنبية منتقاة ، مثل كتاب " السيرة النبوية " لرينيه و سليمان بن إبراهيم الجزائري . و نشرت أيضاً سلسلة مقالات عن أثر الثقافة الإسلامية في تطور النهضة الفكرية بقلم الشيخ : " محمد صادق عرجون " .
و ضمت المجلة نخبة من الكتاب المبرزين بنتاجهم و كتاباتهم من الأزهر و خارجه ، مثل : الشيخ  محمد الخضر حسين ، و الشيخ محمد عرفه ، و الشيخ محمد البهي ، و الشيخ محمود شلتوت ، و محمد أحمد الغمراوي ، و محمد بخيت المطيعي ، و عبدالعزيز الثعالبي ، و أمين الخولي ، و زكي مبارك ، و كثيرون غيرهم .
معارك المجلة الفكرية :
اصطدمت المجلة منذ بداياتها بالكتابات المنحرفة عن الإسلام ، و التيار الإلحادي القويّ آنذاك الذي كان ينادي بأن يتحكم العقل و العلم في مسيرة الحياة دون أيّ تدخّل من النصوص الشرعية ، أو سيطرة للدين على شئون الحياة . فهاجم الشيخ محمد الخضر حسين دعاة العلمانية و فصل الدين عن الدولة بدعوى أن الجمع بين السلطتين الدينية و الزمنية سبب لتأخر المسلمين ، و كذلك هاجم الدكتور محمد البهي هذا التيار المتأثّر بالغرب ، و أرجع سبب محاربته للدين إلى الإعجاب غير المتعقّل بالغرب عبر وسائل الغزو الفكري في المجتمعات الإسلامية ، فيقول  : " إن الصورة في ذهن الشرقي عن أوروبا صورة مبالغ فيها نحو الكمال و الرقي الإنساني بفضل الدعاية الثقافية و الأدبية التي تقوم بها الأفلام السينمائية و مدارس الإرساليات الأجنبية ، و النشرات التي تحمل طابع البحث العلمي " ا هـ .
و تعرضت المجلة أيضاً إلى فضح أنشطة التنصير في العالم الإسلامي ، و كشف مخطّطاته الرامية لهدم الدين الإسلامي ، و إزالته بشتى الوسائل الخبيثة من قلوب المسلمين ، فنقلت عن مجلة العالم الإسلامي التي يحرّرها القس " زويمر " مخطّطات التنصير في العالم الإسلامي  ، تحت غطاء المستشفيات و المدارس و الأعمال الخيرية ، و خير مثال على ذلك هو مستشفى " هنري " في أسيوط .
و كذلك قامت المجلة بعرض الشبهات التي يقذفها المنصّرون و المستشرقون في مؤلفاتهم إلى المسلمين البسطاء بغية زعزعة الدين في قلوبهم ، و تولّت المجلة الردّ على هذه الشبهات بأساليب منهجية علمية ، و ممن تولّى الردّ عليهم في هذا السبيل الكاتب " محمد فريد وجدي " ، فقد ردّ على " اندريه هارفيه " ما كتبه في جريدة كوكب الشرق المصرية من شبهات كاذبة على الإسلام . و كذلك تولّى  وجدي الردّ على المستشرق " فرنك فوستر " الذي كتب سلسلة عن تاريخ الإسلام ، فنبز الرسول صلى الله عليه و سلم ببعض التهم الكاذبة ، و كشف زيفها و بطلانها بحجج قوية متينة .
و خاضت المجلة العديد من المعارك الفكرية على الكثير من الجبهات ، و عبر العديد من المحاور الفكرية ، إلا أن الباحث الدكتور " جمال النجار " في دراسته القيّمة عن صحافة الإتجاه الإسلامي في مصر بين الحربين العالميتين يجمل القول عن أبرز إهتمامات  مجلة نور الإسلام - كما يراها - على النحو التالي :
1 - "  تفسير آيات من القرآن الكريم و بيان ما في الذكر الحكيم و السنة النبوية المشرفة من أصول الأخلاق الفاضلة ، و قواعد الأدب الكريمة التي يجدر بالمسلم أن يتبعها .
2 -  متابعة الحركة الفكرية العالمية و ترجمة بعض ما يجيء في الصحف الأجنبية من مباحث علمية أو مقالات صحفية تتحدث عن الإسلام ، و مقاومة تيار الإلحاد و دعاته من العلمانيين و الملحدين الذين يروّجون لفصل الدين عن شئون الحياة العامة .

3 -  مهاجمة التبرج و التعري و السفور و الإختلاط بين الجنسين ، و مهاجمة الدعوة إلى تقليد المرأة المصرية للمرأة الأجنبية في كل أنماط الحياة ، و الدفاع عن الشرعية الإسلامية و أصولها و بيان فساد النظريات و المذاهب الوضعية التي تتعارض معها .
4 - التصدي لحركة التبشير النصراني في العالم الإسلامي ، و فضح خطط و تآمر المبشرين على المسلمين ، و دحض الشبهات التي يثيرها المستشرقون ضد الإسلام .
5 - الدعوة إلى إدخال الدين في المدارس الحكومية و محاربة المدارس الأجنبية والدفاع عن اللغة العربية ، و بحث مسألة ترجمة القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية ، و التصدي ، للمذاهب الضالة و الحركات الهدامة المنتسبة إلى الإسلام كالصوفية و القاديانية و البابية و البهائية . " ا هــ .
هذا و من المؤسف له أن المجلة قد خاضت معارك فكرية مع التيار السلفي في مصر ، كما حصل في معركة الشيخ يوسف الدجوي مع الشيخ رشيد رضا صاحب المنار ، حول بعض القضايا العقدية التي استنفدت جهوداً كان ينبغي صرفها إلى صدّ أعداء الإسلام الحقيقيين .
و في عام 1935 م بدأت مرحلة جديدة من عمر المجلة بعد أن تغير اسمها إلى اسم " الأزهر " ، و أصبح فريد وجدي مدير تحريرها .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق