الأربعاء، 5 مارس 2014

حين ضرب زيد عمراً

ينقلُ أبو الفرج الجوزي في كتابه " أخبار الحمقى و المغفلين " عن بعضِ نوادر النحويّين :
  • عن ابن أخي شعيب بن حرب قال : سمعتُ ابن أخي عمير الكاتب يقول و هو يعزي قوماً : آجـرَكُم الله ، و إن شئتُـم أجـَـركُم الله ، كلاهما سماعي من الفرّاء !
  • و روى أبو الفرج ابن الجوزي عن شيخَه أبي بكر محمد البزاز قوله : قال رجلٌ لرجلٍ : قد عرفتَ النّحوَ ، إلاّ أني لا أعرفُ  هذا الذي يقولون : أبو فلان و أبا فلان و أبي فلان ، فقال له : هذا أسهلُ الأشياءِ في النحوِ ؛ إنما يقولون : أبا فلان لمن عظم قدره ، و أبو فلان للمتوسّطين ، و أبي فلان للرّذَلة !
  • و عن أبي القاسم الحسن قال : كتبَ بعضُ الناسِ : كتبتُ من ( طيس ) يريد ( طوس ) ، فقيل له في ذلك ، فقال : لأنّ ( من ) تخفض ما بعدها ، فقيل له : إنما تخفضُ حرفاً واحداً لا بلداً له خمسمائة قرية !
و هكذا، تزخرُ كُتبُ التراثُ العربيّ بطرائفَ و نوادرَ لبعضِ النحـْويّينَ الذي يتشدّقونَ في الكلامِ من غـَيـْرِ ما حاجةٍ يقتضيها المقامُ ، أو يـُظهرُ بعضـُهُم التعالمَ في النحوِ ، و هو فيهِ أجهلُ من ثورِ أهله ، و لكن لم يحدّثنا التراثُ عن محنةٍ تعرّض لها علماءُ النحوِ في بلدٍ ما ، فزجّهمُ الحاكمُ  في السجنِ ، و بسببٍ غريبٍ وطريفٍ في آنٍ واحدٍ ، إلاّ في قصّةٍ طريفةٍ سأذكرُها مختصرةً كما جاءت في كتابِ الدكتور الفاضل " محمد رجب البيومي " الموسوم بـ " طرائف و مسامرات " .
إذ ينقلُ الدكتور عن مقالٍ منشورٍ في مجلة " الرسالة " في عددِ يناير 1947 للأستاذ " رزوق عيسى " بأنّ  " داود باشا " تولّى ولايةِ بغداد عام 1322 هـ ، و أجرى إصلاحاتٍ واسعةً ، منها إصلاحُ طرائقِ تعليمِ العربيّة ، فجلسَ ليتعلّمها بنفسِه على يدِ أحد العلماءِ ، فوجَدَ أستاذَه يستشهدُ بالمثلِ القائلِ " ضربَ زيدٌ عمراً " .
فسألهُ مُداعباً : ما الذي جناهُ عمرو حتى استحقّ الضربَ كلّ يوم ؟
فاستغربَ الأستاذُ السّؤالَ ، و قال : ليس هناكَ ضاربٌ أو مضروبٌ ؛ و لكنّه مثالٌ لتقريبِ القاعدة .
فغضِبَ الوالي على الأستاذ لأنّه شعُرَ بأنّ في إجابِتِه استهزاءً به ، فأمرَ الشرطةَ بحبسِه ، ثمّ  ظلّت هذه المسألةُ تؤرّقُ ذهنَ الوالي ، فجعلَ يستـقـدمُ النحويّين واحداً واحداً ، و يسألُهم عن جُرمِ عمرو ! فإذا سَـكَـتـوا ؛ زجّ بهم إلى السجنِ حتّى ضاقَ بالنحويّين المغلوبِ على أمرِهم !
و لكنّ أحدَ النحويّين الـعيّارين ، أتى إلى الوالي داود باشا ، و لمّا مثـُلَ للإمتحانِ ، قال : إن جنايةَ عمرو يا مولايَ خطيرة ، يستحقّ أن يضربَهُ علّيها زيدٌ كلّ آن .
فقال الوالي متلهّـفاً : و ما جنايتُهُ ؟
فقال النحويّ : إنـّه هجمَ على اسم دولتِكُم الكريم " داود " فسرَقَ منهُ الواوَ ، إذ حقّه أن يُكتبَ هكذا " داوود " ، ثمّ ألحَقَها باسمِه ، فصارَ يُـكـتـُبُ بها هكذا " عمرو " دونَ أن يستأذنـَكُم ، فسلّط عليهِ النّحاةَ عقاباً صارماً بأن يذوقَ الضربَ في حلقاتِ التدريسِ !
فانطلقَ وجهُ الباشا بالبشرِ ، و قرّبهُ إلى مجلسِه ، و سألَهُ عما يطلبُ ، فقالَ لديّ مطلبٌ واحدٌ ، أن يتفضّلَ الباشا فيطلقُ من بالسجونِ من أساتذةِ النحوِ ، الذين ترَكوا أسرَهم و أولادَهم ، و ذاقوا عذابَ الأسرِ دونَ ذنبِ ، فأسرعَ الباشا بإطلاقِ سراحِهِم مستريحاً إلى ما سمعَ من تعليل !

أنور باشا - الساحة العربية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق