الأربعاء، 5 مارس 2014

ظـاهِرةُ الـغلوّ في التَصنيف ، مـقاربةٌ نفسيّة !


يقول ُ الإمامُ ابن الجوزيّ رحَمه الله :
" ما اعتمدَ أحـَدٌ أمراً إذا همّ بشيءٍ مثل التثبّت ، فإنّه متى عملَ بواقعِهِ من غيرِ تأمّلٍ للعواقِب كان الغالبُ علَـيْـهِ النّدَم ، و لهذا أُمرِ الإنسانُ بالمشاوة ؛ لأنّ الإنسانَ بالتثبّتِ يطولُ تفكيرُه فتعرِضُ على نفسهِ الأحوالُ ، و كأنّـه شاوَرَ ، و قد قيل : خميرُ الرّأي خيرٌ مـِن فطيرُه " .
                                   
( 1 )
يكونُ من قـَبيـلِ مَـكرورِ الكلامِ و فُضولِهِ أنّ  ساحتنا الدّعويّة تنوءُ بالكثيرِ من الأدواءِ و الظواهر السلبيّة التي لا تخطـِئها عينُ المُراقبِ البَـسيط ، و لا تخفى على كلّ من لدَيهِ أثارةٌ مِن فهم ٍ و وعي ٍ ؛ فقد طـَفـَت على السّطح ، و برزَت للعَيان ، و عَرَفَها البعيدُ و القريب ، و استوعَـبَها العدوّ قبلَ الصّديق .
و يأتي في صدارةِِ تلكَ الظواهرِ السّلبيّةِ : قضيّةُ الغلوّ في تصنيفِ الدّعاةِ و المشايِخِ إلى عدّةِ تصنيفاتٍ فكريّةٍ ما أنزلَ اللهُ بها مِن سُلطان ، و الإنشغالُ في هذا الأمرِ انشغالاً بالغاً حتّى كانَ هذا ديـدَنَ البَعضِ و هجّـيـراهُم ؛ فهُم لا يفتأون يطلقونَ التصنيفاتِ في مجالسِهم و نواديِهم ، بل وأصبحَت مُنتدياتُ الإنترنتّ ميداناً رَحـْباً لفُرسانِ التّصنيفِ ليركُـضوا بخيلِهم في هذا الهوَسِ الفكريّ بلا حدٍّ مُعيّنٍ ، و لا سياجٍ شرعيّ ، أو عُـرْفي !
و الكلامُ حولَ الغلوّ في تصنيفِ النّاسِ عميقٌ و غزيرٌ و ذو ذيولٍ طويلة ، منَ الصّعبِ أن نأتيَ عليْهِ في مقالٍ عابرٍ كهذا ، و لكِن لا بأسَ مِن محاولةٍ لاستـِكـنـاهِ هذا الدّاء ، و تلمّسِ جذورِهِ العميقةِ ، في مُقاربةٍ قَد تصيبُ الهدَفَ ، أو جـُزءً منه ، و إلاّ .. فـأنعِـم بخُـفّـي حُـنـيَن !

( 2 )
و نقطةُ البدءِ - في رأيي - تنطَلِقُ مِن زاويةِ " المَدخلِ النفسيّ " ، و أعني بالمدخلِ النّفسيّ : محاولةُ فهمِ النّفسيّةِ التي يـصـْدرُ عنها الشّخصُ المُـولَع بالتّصنيفِ الفِكريّ .
و قبلَ الشّروعِ في ذلك ، نتساءَل : هَل التّصنيفُ بحدّ ذاتِهِ أمرٌ سلبيّ ؟
في واقعِ الأمرِ أنّ التصنيفَ كمَبدأٍ عقليّ ، أمرٌ مركوزٌ في طــبائعِ بني الإنسانِ ، و ما منّا مِن أحَدٍ إلاّ و يمارِسُهُ و يتعايشُ معَه في حياتِهِ اليوميّة بشكلٍ أو بآخر ، و على درَجاتٍ متفاوِتةٍ ؛ فلَو ذَهَبتَ إلى السّوقِ المَركزيّ مثلاً ، ستجدُ أنّ الجُبنَ قَد وُضِعَ على أرففِ الأطعمةِ البارِدَة ، و أنّ الصّابونَ قد وُضِعَ في رُكنِ المُنظّفاتِ . و لو ارتقَينا درجةً ، و ذهَبنا إلى مكتبةٍ عامّةٍ ، لوجَدنا الكُتبَ مُصنّفةً و مُرتّبةً ترتيباً بحسبِ حقولِها المَعرفيّة ، كالدينِ و الأدَبِ و التاريخ و العلومِ التطبيقيّة ، و هلُمّ جرّه . ( 1 )
  ألَم تسألْ نفسَك أخي الكريم هنا سؤالاً : لماذا كانَ التّنظيم بهذه الصورة ؟
المنطِـق يقول :  لأنّ هذِهِ الطّريقةَ عَمـَلِـيـّةٌ ، و تُــــوفّـرُ الـجُهـد ، و الـوقـتَ معاً .

( 3 )
من هنا كانَ التّصنيفُ - كنشاطٍ عقليٍّ مُجرّدٍ - أمراً إيجـابـيـّـاَ ؛ ذلكَ لـِمـا يَـفيءُ على الإنسانِ في حياتِهِ اليوميّةِ من فوائدَ و إيجابيّاتٍ كثيرة .
هـذا و تنداحُ دائرةُ هذا التّصنيفِ الإيجابيّ من حياتِنا اليوميّةِ الماديّة ، فتمدّ رواقَها إلى عالَـمِ الأفكارِ ، فتبرزُ تصنيفاتٌ أخرى تصنّفُ الأشخاصَ إلى إنتماءاتٍ  عقـَديّةٍ و فكريّةٍ و سياسيّة ؛ لأنّ هذا الشّخصَ قد اعتنقَ هذِهِ النّـِحـلةَ ، أو توافقَ مع ذاك الإتّجاه الفكريّ ، أو انتمى إلى هذا التيّارِ السياسيّ ، فيكونُ تصنـيـفُـنا لأولئكَ - كـُـلّ بحـسبِ نـزعتِهِ و ميلِهِ الفكريّ - ضربةَ لازبٍ ، و أمراً لا مناصَ منهُُ في كثيرٍ منَ الأحيان ؛ لأنّ ذلكَ سيساعدُ على الإجابةِ على الأسئلةِ المطروحةِ حولَ  الفكرِ الذي يتبنّـاهُ المرء ، فيـَسهُـلُ فهمه ، و مِن ثمّ مُحاكَمـَتـُه إلى أصولِهِ الفكريّة التي ينطَلِقُ مِنها ، أو مُحاكـمَةُ أصولِهِ الفكريّةِ ذاتِها إذا كانَت مُنحرِفةً يعـوزُها التّقويم و التّرشيد . 
بيدّ أنّ ثمّةَ نقطةً جوهريّةً هـامّةً ، تُعـدّ علامةً فارِقةً بينَ التّصنيفِ الإيجابيّ و السّلبيّ ، و هي الإلتزامُ بمُقـتضـى الأمانةِ و العَدْل ، فلا يكونُ هذا التّصنيفُ إلاّ بعدَ عـُبورِ قـنـطـَرةِ استفراغِ الجهـدِ في توخّي الدّقةِ و الموضوعيّةِ خلالَ استقراءِ الإنتماءاتِ ، و تقصّي الولاءاتِ الفكريّةِ ؛ كَـيْـلا نُصدرَ أحكاماً ظالِمةً ، نبوءُ بآثامِها مـا بقيَت تلوكُها ألسنةُ الباحثينَ عنِ قالَةِ السّـوء ، و ما أكثرهُم !

( 4 )
انشغـلَ المفكّر الجزائريّ " مالك بن نبي " رحِمه الله في محاولاتٍ دؤوبـةٍ لِـتـشخـيـصِ حالةَ الضّعفِ التي تعـتـَوِرُ عقليَةَ المُسلمينَ في هذا العصر ، فانتَهى إلى أنّ مِن جُملةِ الأدواءِ التي أصابَتِ الأمةَ بمَقتلٍ ،  ما أسماهُ بـ " ذهانِ السّهولة " ، أي :  مرض السّهولة ، فيقول : " و هناكَ من يظنّ أنّه بخطبةٍ رنانةٍ تُحـلّ مشاكلِ المسلمين ، و بعضهم يكرهُ أن تدعوَهُ إلى تفكيرٍ عميقٍ في موضوعٍ ما منَ الموضوعاتِ لأنّه يؤثرُ السّهولةَ و يكتَفي بتفسيرٍ سطحيّ " ( 2 ) .
و ما أشارَ إليْهِ الأستاذ مالِك بن نبيّ ضارِبٌ بما نحنُ فيهِ بعِــرقٍ ، و مُتّصلٌ بموضوعـِنا بسبب ؛ إذ الشخصُ المُصنّـِـف قد ركَنَ إلى قالَبٍ جاهِزٍ في الذّهنِ ، يستَدعـيه ، ثمّ يُدرِِجُ هذا الشّخصَ فيهِ ، و ينتَهي الأمر !
و هوَ بهذا الإجراءِ قّد جـَنحَ إلى تبسيطِ الأمورِ و اختِزالِها ، و كـفى نـفـسَه مـُؤنـَةَ كـدّ الذّهنِ ، و الجـدّ في تلمّسِ الفروقاتِ بينَ القضايا التي قد تكونُ في ظواهِرِها تـَشـي بشيءٍ من التّشابُه ، و هيَ في واقعِ الأمرِ ليست كذلِك ، و هذا بحدّ ذاتِهِ يعكِسُ مبـْـلغَ تـَجَـذّرِ مرضِ السّهولةِ و مُحاولةِ تبسيطِ الأمور في عقليّاتِنا ، يقول الدكتور عبدالكريم بكّار : " و نحنُ نعمَدُ إلى الإيجازِ و ضغطِ تفصيلاتٍ كثيرةٍ في كلِماتٍ قليلةٍ طلَباً لسهولةِ الحفظِ و التداولِ و الإنتقالِ " ( 3 ) .
و يقول أيضاً : " إنّ تبسيطَ الأمورِ عدوّ لدودٌ للملاحظةِ و التجريبِ و التخصّص ، لأنّ هذه الأمور الثلاثةَ لا تأتينا عادةً إلاّ بالتفريعِ ، و هوَ ما لا يطيقُهُ الإنسانُ البدائيّ الذي يتّسمُ - في جملةِ ما يتّسم به - بقلّة الصّبرِ على المُلاحظة ، و المسارعةِ إلى إطلاقِ أحكامٍ عامّةٍ بسيطةٍ دونَ أدنى حيطَةٍ أو حذَر "  ( 4 ) .
 أمّا ضحيةُ هذا التّبسيط و اختِزالِ القضايا فسَتـكونُ - من دونِ شكٍّ - هي : الـدقــّـة و الإتّزانُ في إصـْدارِ الأحـْكام ، يقول الدكتور بكّار : " فالمرءُ يبتهجُ ابتهاجاً منقطعَ النظيرِ إذا ما شعرَ أنّه توصّـلَ إلى صياغةِ قانونٍ ينطبِقُ على عددٍ كبيرٍ من الجزئياتِ ؛ و التقعيدُ و التنظيرُ من أكثرِ المُغرياتِ قوّةً في جذبِ النّاسِ على حسابِ الدّقّةِ المطلوبة " ( 5 ) .

( 5 )
إذَن ؛ فالتعاطي معَ عمليّةِ التّصنيفِ ينبغي أن يكونَ على قـَدرٍ كبيرٍ مـِنَ الحذَرٍ و التأنـّي و التأمّـل ، لأنّ باعثَ التصنيفِ ربّما كانَ تعبيراً لا شعوريـّـاً عَن نفسيةٍ ساذَجةٍ ، تبحثُ عَن اختزالِ القضايا و تبسيطِها ، مُتـّشِحةً بثوبٍ منَ الغـيْـرةِ الظّاهِرةِ التي تطبعُ التصنيفَ بميسَـمٍ مِـنَ الحـَمـيـّةِ للحقّ .
لكِن ثمّة سؤالٌ لا بدّ منه : كيف نعلمُ أنّ هذا التّصنيفَ بعَينِهِ قد جانَب الدّقّةَ و الإنصاف ؟
يقول العلاّمة أبو عبدالرحمنِ الظاهري في حِوارِهِ مع المُلحدِ الهالِك عبدالله القصيمي : " و قد تقول : ليسَ مِن شرطِ المفكّر أن يتقيّدَ بأصل ! .
و قد يكونُ هذا صحيحاً لو ضمِنتَ لنا أنّكَ لن تتناقَضَ ، فأعظمُ أصولِ الفكرِ ألاّ يتناقض
" ( 6 ) .
و التّناقـضُ الفِكري سمةٌ لازِمةٌ لأهلِ الأهواء و أصحابِ البدَعِ الإعتقاديّة ، لأنّ أصولَ تلكَ الفِـرَقِ هشّةٌ ، شُـيـّدَت على شفا جـُـرفٍ هارٍ ، فها هو شيخ الإسلامِ يقولُ في معرِض ردّه على بدَعِ المُتكلّمينَ : " بل تجدُ أحدَهم يجمعُ بينَ النّقيضينِ أو بينَ رفعِ النّقيضينِ ، و النّقيضان اللذانِ هما الإثباتُ و النّفي لا يجتمعان و لا يرتَفِعان ، بل هذا يفيدُ صاحبَهُ الشكّ و الوقفَ فيتردّد بين الإعتقاديْنِ المُتناقِضيْن : الأثباتُ و النّفي ، كما يتردّد بين الإرادَتين المُتناقضتين "  ( 7 ) .
و على هذا ، فدليلُنا بأنّ التصنيفَ قّد جانبَ الصّواب هو : التّناقـُض ؛ و صورةُ ذلك : أنّ التّصنيفَ - كما مرّ معنا - هو ردّ النظيرِ إلى نظيرِه ، و الشيء إلى شبيِهِه ، و ذلكَ باطـّرادٍ و شمولٍ و استيعابٍ ، فإذا قـُمنا بوضعِ أحدِ الأشخاصِ في زُمرةٍ معيّنةٍ ، يتعيّنُ عليْنا أن نُلحِقَ نـُـظـَـراءَهُ بهِ ، فإذا استثنينا البعضَ و أخرَجناهُم مِـن تلكَ الفئةِ بدون أيّ مسوّغٍ منطقيّ ، فقَد وقعنا في هُـوّةِ التناقضِ التي تـُـؤكّد أنّ هذا التصنيفَ عارٍ عن دليلٍ و برهانٍ إلاّ الرّجـْم بالغيبِ ، و اتّباع سرابِ الظنونِ و الأوهام !
 و هـذا معَ الأسفِ الشّديدِ هوَ ما يـجري في أغلَبِ التّصنيفاتِ التي تصفَـعُ وجوهَـنا كـلّما قلّبنا صفحاتِ منتدَياتِ الإنترنتّ ، أو جالَسنا بعضَ منِ ابتـُلوا بـِهذا الدّاءِ المُعدي ، الذي سرى في جسَدِ الصحوةِ الإسلاميّةِ سَـريانَ النّارِ في الهشيم ، و هذا ما حذّرَ منه العلاّمة بكر أبو زيد إذ قال حفِظَه الله : " ظاهرةُ التصنيفِ تسري بدونَ مقوّماتٍ مقبولةٍ شرعـاً ، فهي مبنيّةٌ على دعوى مُجرّدةٍ من الدليل ، و إذا كانت كذلك بَطَلَ الإدعاء ، و اضمحلّتِ الدّعوى ، و أصبَحَت غيرِ مسموعةٍ شرعاً ، و آلـَـت حالُ المُدّعي إلى مُـدّعى عليْـه تقامُ عليهِ الدّعوى بمـا كذبَ و افـتـَرى و في الحديثِ أنّ النبي صلى الله عليهِ و سلّم قال : لو يُعطى النّاس بدعواهم ... الحديث " ( 8 ) .
آسِف على الإطـَالة ، و اللهُ الموفـّق .
---------------------------------------
( 1 ) انظر : " علم المكتبات و المعلومات " ، د . محمد ماهر حمادة ، ص : 123 - 124 .
( 2 )  " الصراع الفكريّ في البلاد المُستعـمَرة " ، مالك بن نبي ، ص : 27 . و انظر كذلك " قراءة في فكر مالك بن نبي " ، مقال منشور في مجلة البيان عدد 15 ، للأستاذ : محمد العبده حفظه الله .
( 3 ) " فصول في التفكير الموضوعي " ، د . عبدالكريم بكّار ، ص : 220 - 221 .
( 4 ) المرجع السابق ، ص : 221 .
( 5 ) المرجع السابق .
( 6 )  " ليلة في جاردن سيتي "  ، ص : 81 . و كذلك " لن تلحد " ، ص : 290 ، كلاهما للعلاّمة : أبي عبدالرحمن الظاهري حفِظهُ الله . 
( 7 )  " الصفديّة " ، شيخ الإسلام ابن تيميّة ، ( 2 :294 ) .
( 8 ) " تصنيف النّاس بين الظنّ و اليقين " ، بكر عبدالله أبو زيد ، ص : 32 - 33 .

أخوكم الواثق بنصر الله
أنــــــــــــــور بـــــــاشــــــا


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق