الأربعاء، 5 مارس 2014

كاتبٌ يغتال بطل قصصِه !


شُغـِفـتُ و أنا في ميْعةِ الصّبا بقراءةِ قصَص ِ الغموض ِ و الجريمةِ ، و أحسبُ أنّي قرأتُ حينذاكَ جُـلّ الرواياتِ البوليسيّةِ من شاكلةِ قصص ِ" أغاثا كريستي " و " شيرلوك هولمز " ، و هذهِ الأخيرةُ كلفتُ بها كلفاً شديداً ، فما تزال  صورةُ " هولمز " ذلكَ المخبر الألمعيّ ، و صديقه الدّكتور " واتسون " راوية أخبارهِ = تلتمعُ في مخيّلتي  ، و تستدعي تلكَ العبقريّة المتناهيةَ في فكّ طلاسم ِ الجرائم ِ المُعقّدة .
و معَ شغفي البالغ بهذهِ السّلسةِ البوليسيةِ إلاّ أنّني لم أكُن أعرفُ اسمَ مؤلّفِها ، بل أجهلُه تماماً . و لمْ أكُن في هذا بـِدْعاً من لدنّي ، بل كنتُ ككثير ٍ من العشّاق ِ الذين يشاطرونني هذا الجهل . و لهذا الأمر ِ قصّةٌ طريفةٌ ، لا بأسَ من إيرادها من بابِ الإحماض ِ ، و التّسلية .
تبدأ القصّة في عام 1891 م ، في عيادةِ متواضعةٍ في لندن لطبيبٍ شابّ حديثِ التخرّج  ، إذ جلسَ الطبيب " آرثر كونان دويل " ( 1859 - 1930 م ) يقلّبُ طرفَهُ في أرجاءِ عيادتِهِ ، و قد ساورَهُ الملَل و تسلّلَ إليهِ اليأسُ بسببِ قلّةِ المرضى الذين يزورون عيادتَه ، فهوَ طبيبٌ جديدٌ على الصّنعةِ ، و النّاسُ لا يحبّذون هذا النّوعَ ؛ فإنّ الصّحّةَ أثمنُ من أن تكونَ حقلَ تجارب لطبيبٍ غـَمْـر!
فشرعَ الطّبيبُ الشّابّ في الكتابةِ للصّحفِ ، و أنفقَ فيها سحابةَ نهارهِ ليدفعَ المللَ عن نفسِه من جهة ، و من جهةٍ أخرى لعلّ كتاباتِهِ تصيبُ نجاحاً فيسدّ بعائدِها شيئاً من خَـلّتـِه ، فطفقَ يكتبُ لوناً جديداً من القصَص ِ . و انقدحَ في ذهنِهِ أن يبتكرَ شخصيّةً فريدةً من نوعِها ، تقومُ بحلّ الجرائم المعقّدةِ و المستعصيةِ على الشّرطةِ ، و ذلكَ بأساليبَ منطقيّة ، موظّفاً فيها الطّرق العلميّة من أجهزةٍ و أدواتٍ توصّلَ إليها العلمُ آنذاك .
و نشرَت مجلّة " ستراند " أوّل قصص ِ التّحرّي " شيرلوك هولمز " ، فكانَ التّوفيقُ حليفَ " كونان " في هذا السّبيل ، و سرعانَ ما طارت  هذهِ القصَصُ  كلّ مطار ، و سارت مسيرَ الشمس ِ في الأقطار ، و صارَ المتابعونَ لهذهِ السّلسلةِ يزدادونَ في أوروبا و أمريكا و غيرها ، فدرّ ذلكَ عليهِ دخلاً طيّباً ، الأمرُ الذي حملَهُ على أن يغلقَ عيادتَهُ ، و يتفرّغَ للكتابةِ .
و استمرّ في كتاباتِهِ التي تلقّفها القرّاءُ بشغفٍ غير ِ مسبوق ، حتّى أضحى اسمُ " شيرلوك هولمز " يدورُ على كلّ لسان ٍ ، و يُذكرُ في كلّ ناد ، فالنّاسُ لا شغلَ لَهم إلاّ بمغامراتِهِ و أخبارِهِ : ماذا فعَل ؟ و كيفَ حلّ الجريمةَ تلك ؟ و ماذا تتوقّعونَ أن يفعلَ ؟
غيرَ أنّ " كونان " معَ هذا النّجاح ِ الباهر لم يكُن راضياً عن قصَصهِ و صنيعتِهِ " شيرلوك هولمز " ؛ فهوَ يرى أنّ هذا النّجاحَ كانَ وليدَ فاقةٍ و ظروفٍ صعبةٍ ، أيْ أنّ " هولمز " كانَ مصنوعاً لا مطبوعاً !
و السّببُ الآخر و هوَ الأهمّ ، أنّ الأغلبيّةَ السّاحقةَ من النّاس ِ يعرفونَ اسمَ " شيرلوك هولمز " ، و لا يعرفونَ اسمَ صانعِهِ " آرثر كونان دويل " الذي لا يعرفُه إلاّ النزرُ اليسيرُ من القرّاء !
فدبّت الغيرةُ في قلبِهِ من بطل ِ قصَصهِ ، و لا شيءَ أخطرُ من داءِ الغيرةِ إذا استفحلَ في القلب ، لا سيّما من شخص ٍ استبدّ دونَكَ بالصّيتِ و النّباهةِ و أنتَ صانعه و وليّ نعمتِه !
فاستولى هذا الهمّ على كلّ لبّهِ ، و أخذ يتعاظمُ يوماً بعدَ يوم ، حتّى أرسلَ إلى والدتِهِ رسالةً يفصحُ فيها عن قرار ٍ لا يخطرُ على بال ِ أحدٍ ، فقال لها :  " إنّي أفكّرُ أن أقتلَ هولمز في هذهِ القصّةِ الأخيرة التي أكتبُها عنه ، و أتخلّصُ منه و من حرجِهِ و أن أحسمَ في أمرهِ ، لقد منعني طويلاً أن أكتبَ شيئاً ذا بال " .
فما كانَ من أمّه التي كانَت كغيرِها مشغوفةً بهذا البطل ، إلاّ أن عاجلتْه بردّ على الفوْر : " لا لن تقتلَه ، إنّكَ لن تستطيعُ أن تقتلَه ، إنّك لن تفعل !! " .
لكنّ كونان ردّ عليها بقوله : " إنّ هولمز سوف يختفي منَ الوجود و لن يظهرَ من بعد ذلكَ أبداً ، إنّي سئمتُ اسمَه ، و سئمتُ شهرتَه في النّاس  " .
فأقدَمَ " كونان " على جريمَتِهِ العجيبة ، فابتدعَ شخصيّة " موريارتي " المجرم العبقريّ الذي دوّخَ أوروبا ، فخشيَ منه " هولمز " ، و فرّ إلى " سويسرا " ، غيرَ أنّ " موريارتي " تعقّبَه و عثرَ عليهِ ، ليصفّيَ حساباً قديماً معَه ، و دخلا في عراكٍ على جبل ِ اسمه " ريشن باخ " ، فسقطا جميعاً من الهاوية ، و انتهت القصّة .
  و لمّا نُشرت القصّةُ كانَت فاجعةً كبرى على كلّ محبي " هولمز " ، فبعضهم اتّشحَ بالسّوادِ في لباسِهِ ، و آخرونَ اقترحوا إنشاءَ تمثال ٍ لهذا العبقريّ ، أمّـا الرّسائلُ فطفقت تنثالُ من كلّ مكان ٍ كالمطر ِ على بابِ " كونان " !
 أمّـا " كونان فقد قابلَ هذه المشاعرَ الجيّاشة ببرودٍ و ثباتٍ ، و قال : " إنّ شيرلوك هولمز يرقدُ الآن في حضيض ِ الهاويةِ هاوية ريشن باخ فلندعه هناك في راحةٍ ، فلا نشوّش عليه ، إنّ بعض الموتِ راحة " .
غيرَ أنّ قناةَ " كونان " سرعانَ ما لانَت ، عندَما رأى الدّخلَ الكبيرَ الذي تدرّهُ تلكَ السّلسلة ، فثابَ إلى رشدِهِ ، و أرادَ أن يعيدَ هذهِ الشّخصيّةَ إلى الحياةِ ، و هي مهمّةٌ ليسَت بالصّعبةِ ؛ لأنّ النّهايةَ في القصّةِ كانت حمّالة أوجِه ، فنشرَ في مجلّة " ستراند " في عام 1903 م قصّةَ جديدةً تحكي أنّ " هولمز " لم يسقُط في الهاويةِ ، بل استطاعَ في اللحظةِ الأخيرةِ التّخلّصَ من المجرم ، فسقطَ لوحدهِ ، و عمدَ " هولمز " على أن يُشاعَ أنّه قد ماتَ ، حتى لا يتعقّبه أحد من تلكَ العصابةِ ، فيراقبهم عن كثَب ، فاتّخذَ لهُ اسماً مستعاراً ، و قامَ بجولةٍ في بلدان ٍ بعيدةٍ ، و استقرّ بهِ النّوى في " مونبلييه " في فرنسا ، ثمّ عادَ إلى صديقِهِ الحميم الدّكتور " واتسون " ليكملَ مهمّتَه من جديد !
و تقبّلَ القرّاءُ هذه القصّةَ ببالغ ِ السّرور ِ و الغبطة ، بل إنّ قرّاءَهُ قدِ ازدادوا عن ذي قبل .
و خلعَ الملكُ " إدوارد " عليهِ لقب " سير " ، ففرحَ لذلك أشدّ الفرح ِ ، و عندَما وصلَت طرودُ الملكِ ، وجدَ أنّها مرسلة إلى " شيرلوك هولمز " !
أي أصبحَ " السّير شيرلوك هولمز " !
تُـرى ؛ هل يلامُ في جريمَته ؟

أنور باشا - الساحة العربية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق