إعداد : مبارك القحطاني
أوراق
متناثرة في تاريخ الصحافة الإسلامية .. " صحيفة الوقائع المصرية " .
لا يماري أحد في أن
الصحافة إحدى أبرز ثمرات اختراع الطباعة و التقدّم التقني في وسائل الإتصال
و الإعلام ، و ذلك لما تضطلع به وسائل الإعلام
من دور خطير و بالغ في صياغة البُـنى
الفكرية و الثقافية في المجتمعات ، إلى جانب دورها المؤثّر في توجيه الرأي العام و
قيادته و تعبئته في تناول و إثارة قضايا المجتمع المصيرية .
من هنا كانت الصحافة منذ
بواكير نشأتها في عالمنا الإسلامي محطّ أنظار العلماء و الدعاة الذين رأوا فيها وسيلة مؤثّرة و فاعلة لتوصيل
القيم و الأفكار الإسلامية الدعوية لأكبر شريحة متاحة من المجتمع ، فظهرت العديد
من الصحف و المجلات الإسلامية أو ذات النزعة الإسلامية في وقت مبكّر نسبياً . و لكن هذا الإتجاه في الصحافة – أعني به الإتجاه الإسلامي -
قد ران عليه غبار النسيان المتعمّد
، و طمرته رياح التجاهل العلماني الذي أمسك فيما بعد بدفّة الإعلام و التوجيه في
مجتمعاتنا ، في محاولة منه لتحجيم هذا الإتجاه ، و تهميش دوره في تاريخ
الصحافة العربية .
لذا ، فقد ارتأينا تسليط الضوء
في هذه الأوراق المتناثرة على بعض الصحف و المجلاّت الإسلامية الرائدة ، في سلسة
تعريفية لهذا التراث الصحفي في محاولة لنفض غبار النسيان عنه ، متمنّـيـن من الله
النفع بها ، و التوفيق و السداد منه سبحانه و تعالى .
" صحيفة الوقائع
المصرية "
يكاد يتّفق الباحثون على أن صحيفة الوقائع المصرية أوّل صحيفة
عربية بما يعنيه مصطلح الصحيفة من معنى ؛ إذ أُنشئت صحيفة الوقائع في القاهرة
كامتداد لملخّص اسمه " الجورنال " يحوي تنظيم حسابات الأقاليم و المصالح و شئونها الإدارية و كشوف
الأقاليم البحرية و القبلية و المحاصيل في مصر و غيرها من الأمور التي تهمّ
الخديوي " محمد علي " مع بعض كبراء الدولة ، لكن هذا الملخّص لم يعد
يكفي نظراً لاتّساع الدولة و تشعّب حاجاتها و قضاياها ، فصدر الأمر من الوالي
" محمد علي باشا " بإنشاء صحيفة " الوقائع " في عام 1828م .
و لكن هذه الصحيفة لم
تكن متاحة لكافة طبقات المجتمع ، بل كانت مقصور تداولها على النخبة فقط من كبار
الملاّك و العلماء و تلاميذ المدارس الملكية و المبعوثين في أوروبا ، و كان عددهم
بسيطا جدا إذ كان لا يتعدّى 600 قاريء !
إلى جانب هذا كانت اللغة العربية في هذه الصحيفة مهملة ، حتى
كانت اللغة العربية إلى اللهجات العامية أقرب ، إذ تصدرالصحيفة باللغة التركية و تُترجم إلى اللغة العربية في وقت واحد ، لكن
القائم على تحرير الصحيفة - و كما يرى بعض الباحثين - كان رجلاً تركيّاً أو ذا
ميول تركية؛ حيث كان يترجم المضمون من اللغة التركية إلى العربية بدون عناية و
اهتمام بالأساليب العربية أو اختيار للألفاظ السليمة التي تؤدي دورها بشكل صحيح .
بيد أن هذا الأمر تغيّر بعد تولّي " رفاعة رافع الطهطاوي
" شأن الصحيفة عام 1842 م ، فقد
أوْلىعناية باللغة العربية و جعلها هي
الأصل ، و تشغل الجانب الأيمن في الصحيفة بدلاً من اللغة التركية كما كان في
السابق . و اهتمّ أيضاً بشأن نشر المادّة
الأدبية ، و استقطب أدباء معروفين مثل " أحمد فارس الشدياق " الكاتب
الأديب ، و السيّد " شهاب الدين " تلميذ رفاعة و مساعده . و نشرت
الصحيفة بعض القصائد الشعرية و مقتبسات من مقدّمة ابن خلدون ، و كتب فيها رفاعة
الطهطاوي أوّل مقال كامل يُنشر في الصحافة المصرية تحت عنوان " تمهيد "
، و كان ذلك في العدد رقم 623 في غرّة ربيع الثاني عام 1258 هـ ( 1842 م ) ، و كان أول عدد بعد تولّي رفاعة
الإشراف على الصحيفة .
و قد كان هذا المقال الرائد الذي كان ردّاً على افتراءات بعض
المستشرقين على الإسلام ، أشبه
بالنواة و اللبنةالأساسية في طريق تأسيس
صحافة إسلامية ذات طرح عصري ؛ إذ جمع في رؤيته بين الأصالة و المعاصرة و القدرة
الفائقة على التحليل و النفاذ إلى دقائق الأمور .
يقول الدكتور عبداللطيف حمزة عن هذه النقلة الإيجابية في عمر
الصحيفة : " ثم دخلت الوقائع المصرية في طور ثانٍ من أطوار حياتها ، و ذلك
بمجيء رفاعة رافع الطهطاوي إليها ، و ذلك في عام 1842 " ا هـ .
لكن هذا الإزدهار لم
يدُم طويلاً إذ ابتعد رفاعة عن تحرير
الصحيفة بعد صدور عددين منها فقط ، و عادت الصحيفة القهقرى إلى ما كانت عليه في
السابق من هبوط في اللغة العربية ، و اضمحلال في المستوى التحريري ، و كانت أيضا
تصدر بصورة متقطّعة و غير منتظمة .
و امتدّ التدهور في الصحيفة حتى عام 1865 م ، حينما أصدر
الخديوي عباس أمراً بترتيب الصحيفة و تنظيمها . و لكن العهد الزاهر لها بدأ منذ
عام 1880 م ، عندما تولّى تحريرها الأستاذ
" محمد عبده " بناء على أمر من الخديوي توفيق ، و استهلّ الأستاذ محمد عبده عمله في الصحيفة بإعداد
تقرير لإصلاح الصحيفة ثم رفعه إلى رياض باشا ، الذي اهتمّ بهذا التقرير و كافأ
بدوره الأستاذ بتعيينه رئيساً لتحريرها .
و ضمّ الأستاذ إليه نخبة من الكُتّاب ممن كانوا يشاركونه
اتجاهه الفكري و السياسي ، و هم : عبدالكريم سليمان ، و سعد زغلول ، و سيّد وفا .
و كان لهذه الإدارة الجديدة أثر طيب في رفع مستوى الصحيفة و
تطويرها ؛ إذ لم يخلُ عدد منها من مقال يتناول القضايا السياسية و الإجتماعية و
الأدبية ، و كان الشيخ رشيد رضا – رحمه الله – يتحدّث عن هذه النقلة النوعية التي أحدثتها هذه الإدارة الجديدة ،
قائلاً :
" و إن العجيب حقا أن ترى صاحب عمامة أزهرية يدخل في
حكومة مطلقة بعيدة في أعمالها عن رجال العلم و الدين ، فيشرف من نافذة غرفة تحرير الجريدة الرسمية
على نظارات الحكومة و مجالسها و محاكمها ، ثم يشرف من نافذة أخرى على الأمة فيقوّم
من أخلاقها و يصلح ما فسد من عاداتها ، و يطلّ من نافذة ثالثة على الجرائد العربية
، فيعلّمها حسن التحرير و يدرّبها على الصدق في القول " أ هـ .
استمرّت الصحيفة على هذا الوتيرة في ظل إدارة محمد عبده ، و انتظم صدورها و أصبحت صحيفة رسمية تصدر في
كل يوم عدا يوم الجمعة ، و امتلكت مطبعتها المستقلّة ، و استقطبت العديد من
الكتّاب الأكفّاء ، و انتشرت بين الإدارات و الدواوين و النظارات و المحاكم
الشرعية في مصر و السودان و جهات من هرر ، و تعاونت مع وكالتي " رويتر "
و " هافاس " للأخبار منذ منتصف عام 1880 م .
بيد أن الذي يهمنا في هذا المقام هو الجانب الإسلامي في خطاب الصحيفة الإعلامي ،
و الذي تمثّل كما رأينا بتولّي
الأستاذ رفاعه الطهطاوي و كذلك الأستاذ محمد عبده زمام الصحيفة ، إذ نستطيع من
خلال استقراء مسيرة الصحيفة تحديد محورين اثنين
كانا يمثّـلان ركائز الخطاب الإسلامي فيها ، و هما :
1 - محاربة البدع و الخرافات الشائعة آنذاك في المجتمع المصري
.
2 – الحفاظ على اللغة العربية باعتبارها لغة القرآن و السنة .
أما في مجال محاربة البدع و الخرافات التي انتشرت في المجتمع
المصري ، فقد كانت جهود الأستاذ محمد عبده واضحة في هذا الصدد ، إذ ركّز على إبطال
و إنكار بدع المآتم و الجنائز و الحشيش و خرافات التصوّف ، و نبّه على وجوب رجوع
المسلمين إلى الكتاب و السنة على فهم السلف الصالح ، إلاّ أنه لم يسلم بنفسه من
الشطط و بعض الإجتهادات العقلانية المنحرفة
، كما هو معلوم .
أما في مجال اللغة العربية و العناية بها ، فقد عمل على الحفاظ
على اللغة العربية و العضّ عليها بالنواجذ
على اعتبار أنها لغة القرآن الكريم و السنة النبوية ، و أن جهل المسلمين بها هو
الذي سبّب انتشار البدع و الخرافات بين ظهرانيهم ، يقول الدكتور سامي عبد العزيز
الكومي : " و قد ظهر أثره في النهوض باللغة العربية أثناء توليه رئاسة
الوقائع في ثلاث نواحي :
ا – مقالاته ذات المستوى العالي في أسلوبها و أفكارها .
ب – إن إلزام إدارات الحكومة و نظارتها بنشر أخبارها و حوادثها في
الجريدة الرسمية قد اقتضى أن اضطر الجاهلون باللغة و التحرير إلى استدعاء المعلمين
أو المبادرة إلى المدارس الليلية ، ليتعلموا كيفية التحرير و عم ذلك المديريات ،
كما عم النظارات ، و ذلك هو تاريخ إصلاح التحرير في مصالح الحكومة .
جـ – كان لإشرافه على المطبوعات و إدارتها و لفت نظر الصحف إلى تجويد
تحريرها و تحسين أسلوبها و إلا أنذرت كان لذلك أثره في جعل الجرائد تلبي دعوته ،
شأنها شأن الدواوين فأصبحت تتسابق إلى إظهار مزاياها في التحرير حتى تعجب إدارة
المطبوعات و المشرف عليها " أ هـ .
ختاما ، لقد كان لصحيفة الوقائع المصرية دور طيب و إيجابي في
التمهيد لنشوء الصحافة الإسلامية رغم ما شابها من انحرافات فكرية فرضتها طبيعة بعض
اتجاهات القائمين عليها مثل رفاعة الطهطاوي و محمد عبده ، لكن هذا لم يمنعها من ترك بصمات هامة في تنظيم و تأسيس العمل الصحافي وفق الشكل الذي يتناسب مع طبيعة العصر و مقتضياته الأعلامية
، و متّسق كذلك مع طبيعة العمل
المهني في مجال الصحافة من النواحي التحريرية و الفنية ، الأمر الذي نراه ماثلاً
في جميع الصحف و المجلات الإسلامية هذه الأيام . و الله تعالى ولي
التوفيق .
المراجع :
1 – الصحافة الإسلامية في مصر في القرن التاسع عشر ، د . سامي
عبدالعزيز الكومي ، دار الوفاء ، القاهرة ، الطبعة الأولى 1992 .
2 – قصة الصحافة في مصر ، د . عبداللطيف حمزة – رحمه الله - ، مطبعة المعارف ، بغداد ، 1967 .
3 – تاريخ الصحافة العربية ، الكونت فيليب دي طرازي ، المطبعة الأدبية
، بيروت ، 1913 .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق