الأربعاء، 5 مارس 2014

رعي الإبل خير من رعي الخنازير .. !

رعي الإبل خير من رعي الخنازير .. ! ( 1 من 2 )


نحن الآن في عام 422 هـ ، و تحديدا عندما انفرط عقد الخلافة الأموية في الأندلس .. و تناثرت حباته على طول و عرض رقعة شبه الجزيرة الأيبيرية ، فتفرق الأُلى شذر .. مذر ، شيع متنافرة .. و أحزاب متناحرة و " كل حزب بما لديهم فرحون " . و أُقيمت في كل مدينة مملكة ، و عروش ، تحفها الألقاب الضخمة ، و لكنها صروح شُيدت في الهواء ، و أُرسيت قواعدها على خواء . دويلات صغيرة ، متشرذمة ، لا وزن لها .. و لا قيمة ، تحاول مضاهاة الممالك و الدول الكبيرة إشباعاً لنزوات حكام قد استبد بهم السفه ، و الغرور ، و انشغلوا باللهو ، و قتال دول الطوائف الأخرى .. عن إدارة شئون الحكم ، و تدبير أمور الجهاد ضد الأعداء الحقيقيين ، حتى سخر الشاعر من القوم قائلا :
مـما يـزهّـدني في أرض أنـدلسٍ *** أسـماء معـتضـدٍ فـيها و معـتمدِ
ألقاب مملكة في غير موضعها *** كالهرّ يحكي انتفاخا صولة الأسد !
و يا ليت الأمر وقف عند هذا الحد .. لهان الخطب رغم فظاعته .. و خف الكرب رغم شناعته ؛ و لكن الكارثة الكبرى أن بعض أمراء هذه الدويلات قد تحالف مع ممالك النصارى المتربصة في شمال الأندلس ضد إخوانهم المسلمين ، خشية على عروشهم من أبناء العمومة .. ! لأن صون هذه العروش الورقية يهون في سبيله كل غالٍ و نفيس ، حتى و لو كان الثمن عقيدة الولاء و البراء التي هدم أركانها أولئك المخذولون بمعاول التحالف مع عبّاد الصليب .. ! بل و المضحك .. المبكي أن الآية قد انقلبت ، ليدفع المسلمون الجزية عن يد و هم صاغرون .. لمملكة " قشتالة " النصرانية .. !
و لما رأى النصارى فداحة هذا التشرذم ، و التفكك الذي أصاب الدولة الإسلامية في مقتل و أضعف كيانها ، فرحوا أيما فرح ، و لملموا شتاتهم مهتبلين هذه الفرصة السانحة لالتهام هاتيك الغُـنيْـمات القاصية من القطيع ، و التي قـدّمت أنفسها للأَكَـلة على قصعة من ذهب .. و ملاعق من فضة .. ! . فبدأوا بتجريد حملات عسكرية مؤذنة ببدء مرحلة جديدة من الصراع تُسمى تاريخيا بـ " حروب الإسترداد " . فبادروا بضرب مدن الشمال .. واحدةٍ تلو الأخرى ، و حصنٍ بعد آخر ، و باتت أخبار الإجتياح الصليبي تترادف تباعا من مدن الشمال المتاخمة للنصارى تحكي جرائم يشيب من هولها الولدان .. و تقشعر لها الأبدان ، خصوصا مأساة مدينة " بـربـشـتـر " التي سقطت بيد النصارى عام 456 هـ ، عندما كانت تحت حماية " يوسف بن سليمان بن هود " الذي قصر في حمايتها ، فاستسلمت المدينة للنصارى بعد حصار طويل ليفعلوا بها ما يفعله عادة في كل زمان و مكان ، من لا يرقب في المؤمنين إلاًّ .. و لا ذمة ، و أترككم مع هذا النص التاريخي وهو يصف طرفا من المأساة في كتاب " الذخيرة في محاسن الجزيرة " لابن بسام الشنتريني .. و إنا لله و إنا إليه راجعون :
" و كان الأفرنج لما استولوا على أهل المدينة ، يفتضون البكر بحضرة أبيها ، و يغتصبون الثيب أمام زوجها و أهلها ، و جرى من هذه الأحوال ما لم يشهد المسلمون مثله قط فيما مضى من الزمان . و من لم يرض منهم أن يفعل ذلك في خادم أو ذات مهنة أو وخش ، أعطاهن خَوَله و غلمانه يعيثون فيهن عيثة . وبلغ الكفرة منهم يومئذ ما لا تلحقه الصفة على الحقيقة . و لما عزم ملك الروم على القفول إلى بلدة تخير من بنات المسلمين الجواري الأبكار و الثيبات ذوات الجمال ، و من صبيانهم الحسان ألوفا عدة حملهم معه ، ليهديهم إلى من فوقه " . انتهى .
أما ملوك الطوائف ، فقد كانوا في غيهم يعمهون ، لاهين .. سادرين ، لأن ألحان العود ، و أصوات المزامير ، و شدو القيان ، قد حجبت بكاء الثكالى ، و عويل اليتامى ، و نصح الناصحين من الوصول إلى عقولهم الثملة .. المثقلة بكؤوس الطِلا .. !
و في الوقت ذاته يتقدم النصارى رويدا .. رويدا ، وأكثر من " ثمانين " مدينة و قرية إسلامية تتداعى .. و تتطاير كأوراق الخريف في يوم عاصف ، حتى أزِف المصاب الجلل ، و الخطب العظيم عندما هاجم النصارى واسطة عقد الإسلام في الأندلس .. مدينة " طُـلـيـطـلة " ، و حاصروها لمدة سبع سنوات لتستسلم لهم في عام 478 هـ ، علما بأن طليطلة كانت مدينة حصينة للغاية ، و تقع على ضفة نهر كبير ، الأمر الذي يسهل وصول الإمدادات إليها للصمود في هذا الحصار ، بيد أن تخاذل ملوك الطوائف عن نصرتها ، كان سببا في استسلامها السهل للنصارى الذين قلبوا مساجدها إلى كنائس لعبادة الصلبان ، و ارتكبوا في عرصاتها أبشع الجرائم و الأفاعيل مما لا يتسع مجال لذكره ، والله المستعان .
و كان وقع سقوط هذه المدينة مريعا و أليما لا في الأندلس وحدها فحسب ؛ بل في جميع أرجاء العالم الإسلامي ، حتى استثارت قرائح الكثير من الشعراء الذين رثوها ، و بكوها ، ومنها هذه الأبيات المعبرة .. لشاعرٍ مجهولٍ :
طليطـلة أباح الكـفـر منهـا *** حماها ، إن ذا نبأ كـبـيـر
مساجدها كنائس ، أيّ قلبٍ *** عــلى هذا يَقَـرّ و لا يطـير
فيا أسـفاه يا أسـفاه حزنا *** يكرر ما تكررت الدهـــور
فكان سقوط طليطلة بمثابة الصفعة المؤلمة التي أزاحت الغشاوة عن أبصار ملوك الطوائف ، و أزالت الوقر عن آذانهم ، فاستشعروا فداحة الخطر .. و ارتأوا ضرورة التحرك لتدارك الأمر قبل أن يصبح الجميع أثراً بعد عين .. و أحاديث يرويها الزمن .. !
دولة بني عباد :
في هذا النسيج المتهتك و المهترئ لدول الطوائف الأندلسية ، كان " بنو عباد " يحكمون أكبر دولة من دول الطوائف في الجانب الغربي من الأندلس ، و عاصمتهم مدينة " اشبيلية " ، و التي قامت على يد عباد بن محمد الملقب بـ " المعتضد " المتوفى عام 461 هـ الذي وسع رقعة دولته بتجريد العديد من ملوك الطوائف الضعفاء من ملكهم و إلحاقها مملكته .
و عند وفاته تولى الحكم بعده ولده " المعتمد بن عباد " ، و قد كان المعتمد هذا على خلاف أكثر أقرانه من ملوك الطوائف .. أديباً فحلاً ، و شجاعاً ، و فارساً ، و جواداً إلى حد البذخ . و قد تحلّق حوله أفضل الشعراء و الكتاب ممن كانوا يرتادون مجالسه .. و يحيون نواديه . و قد اهتم بعمران المدن و تجميلها ، كمدينة قرطبة التي أعاد لها مجدها المندثر ، و اهتم اهتماما خاصا بمدينة إشبيلية .. حتى غدت آية من آيات الجمال الدالة على روعة و تميز الحضارة الإسلامية على مر الأزمان و العصور .
إلا أن هذه الخصال الطيبة و المنجزات لم تكن سوى غلالة رقيقة تخفي تحتها داءً متجذرا في كيان الدولة ، و تنطوي على سوسٍ ينخر في قواعدها المتآكلة ، إذ أن " المعتمد " كان متحالفاً مع ملك قشتالة " ألفونسو السادس " ( و الذي يُسمى في المراجع العربية بـ " أذفونش " ) ضد عدوه " ابن ذي النون " حاكم طليطلة التي سقطت في يد الأول كما رأينا .. ! .. وعندما التهم ألفونسو غنيمة طليطلة التفت إلى حليفه ليرغمه على دفع الجزية ، و يطالبه بأراضٍ من مملكته بدعوى أنها كانت تابعة لطليطلة ، فاستجاب المعتمد خشية أن يئول إلى مصير ابن ذي النون المأساوي . و لكن الطاغية ألفونسو تمادى في غيه .. و أمعن في الإستهزاء .. و الإنتقاص للمعتمد بن عباد و دولته ، حينما بعث إليه رسولاً يهودياً على رأس خمسمائة فارس برسالة تعكس فحواها إلى أي حد بلغ امتهان أمة الإسلام في ذاك الزمان ، حيث طالب هذا الطاغوت بأن تأتي زوجته " القمطيجة " كي تـلِـد في مسجد قرطبة .. !! فأعرض المعتمد عن الرسول وهو يتوقّد غضباً .. و يتميّز غيظاً ، و لكن الرسول ألحف عليه في الطلب .. و أغلظ له القول مهدداً بأن ألفونسو سيسير إلى قرطبة ليحتلها عنوة إن لم يستجب له ، فأخذ " المعتمد " محبرة كانت بين يديه ليضرب بها هامة اليهودي و تهشم دماغه ، و أمر به فصُلب منكوساً ، و أمر بالفرسان الفرنج ليقتلوا ، إلا ثلاثة منهم أطلقهم كي يعودوا إلى ألفونسو بالخبر .. !
و هنا ضاقت عليه الأرض بما رحبت ، و تيقّن أنه بهذا الفعل قد وضع نفسه على حد المبضع ، و أن دولته الآن في مرحلة عنق الزجاجة ، فدعا الفقهاء .. و العلماء .. و أولي الرأي .. طالباً منهم المشورة و التسديد ، و سألهم حول استعانته بـ " المرابطين " في المغرب ، و لكن بعض ضعاف النفوس خوّفوه من ذلك بدعوى أن " المرابطين " لربما ينقضون على حكمه .. و يزيلونه عن العرش طمعا من عند أنفسهم ، و زيّنوا له الإستجابة لكل ما يطلبه ألفونسو بدون تردد .. و مهما كانت طلباته قاسية ، و لكن المعتمد أطلق تلك المقولة السائرة .. المشهورة .. التي حُفرت على جدار ذاكرة الزمن .. و لا زال التاريخ يردد رجع صداها طرباً .. و إكباراً ، حينما قال :
" رعــي الإبـــل ، خــيـــرٌ مــن رعـــي الــخــنــازيـــر "
ماذا تلى ذلك من أحداث .. ؟
و من هم المرابطون .. ؟
و ما هي المعركة التي كانت من أهم معارك التاريخ الإسلامي و الأوروبي .. ؟
كل هذا سيكون محور حديثنا في الحلقة القادمة ، أسأل الله تعالى أن يعينني على إتمامها .
عذرا على الإطالة .. و دام الجميع سالمين .
رعي الإبل خير من رعي الخنازير .. ! ( 2 من 2 )


في الحلقة الماضية تعرضنا بصورة مختصرة إلى أوضاع الأندلس بعد سقوط الخلافة فيها ، و ظهور دويلات الطوائف الضعيفة المتناحرة . و تطرقنا إلى استغلال النصارى هذه الفرصة المواتية لاسترداد ما قد أخذه المسلمون منهم من أرض الأندلس . و توقفنا عند دولة بني عباد في أشبيلية ، و أميرها المعتمد بن عباد حينما قتل رسل ملك قشتالة " ألفونسو " ، و وقوفه بهذا العمل على مفترق طرق صعب .. بين الإنصياع لنزوات الطاغية ألفونسو و تنفيذ كل ما أراد ، أو الإستعانة بالمرابطين في المغرب ، فآثر المعتمد بن عباد الخيار الثاني رغم صعوبته .. و خطورته على ملكه .
دولة المرابطين :
لا بد من لمحة سريعة عن دولة المرابطين كي يكتمل المشهد التاريخي من جميع جوانبه ؛ فقد كان أميرهذه الدولة وهو " يوسف بن تاشفين " يتحدر من " لمتونة " أحد بطون قبيلة " صنهاجة " أعظم القبائل البربرية عددا .. وقوة .. و جاها في بلاد المغرب العربي . و قد نشأ يوسف في بيت رياسة ، و سؤدد . و تقلب أمر القبيلة حتى آل إليه في عام 454 هـ ، عندما سطع نجمه .. و علا شأنه ، كقائدٍ فذٍّ سعى لتوحيد قبائل البربر الشرسة و المتناحرة بالقوة ، حتى دان له المغرب العربي برمته ، فكانت دولته تمتد من المحيط الأطلسي إلى حدود تونس ، و من البحر الأبيض المتوسط إلى غانا . و دخل الإسلام كثير من أهل هذه البلدان بفضل الله ثم بجهود هذه الدولة الفتية . و اختط مدينة " مراكش " لتكون عاصمته ، و قاعدة ملكه . و كان ابن تاشفين بحق بطلاً من أبطال الإسلام الذين خُلّد ذكرهم في صفحات التاريخ بمداد من ذهب ، حيث أوتي من العبقرية .. و التقوى .. و الزهد .. و العدل .. و الحكمة ، ما جعله يبسط نفوذه على هذه الأصقاع الشرسة .. الوعرة المسالك ، بكل اقتدار .. و استحقاق . و قد كان إلى جانب ذلك حريصا على وحدة المسلمين تحت راية الخلافة الإسلامية ، و ظهر ذلك عندما قام بإرسال هدايا جليلة إلى الخليفة العباسي في بغداد " المستظهر بالله " في عام 466 هـ ، و طلب من الخليفة بأن يقلده الولاية له ، فبعث إليه الخليفة العباسي بمرسوم الولاية ، و تسمى بأمير المسلمين .
ابن تاشفين و جيشه في الأندلس :
بعث المعتمد بن عباد - كما رأينا - برسالة استغاثة إلى أمير المرابطين يوسف بن تاشفين الذي كان قد ناهز السبعين عاما ! فاستجاب لهذا الطلب بعد أن استشار أعوانه .. و خاصته ، الذين أيدوه في وجوب التحرك لإنقاذ دولة الإسلام هناك ، فتحرك بجيشه اللجب مجتازا البحر الأبيض المتوسط نحو العدوة الأندلسية ، و عندما ركب السفينة كان البحر هائجا .. مضطربا ، فرفع كفيه ، و دعا الله قائلا : " اللهم إن كنت تعلم أن في جوازي هذا خيرا و صلاحا للمسلمين فسهّـل عليّ جواز هذا البحر ، و إن كان غير ذلك فصعّـبه حتى لا أجوزه " ، فهدأ البحر بفضل من رب العالمين ، ثم وصل الجيش إلى الأندلس ، و سجد يوسف لله شكرا على نعمة الوصول إلى البر .. بسلام .
و هنالك التقى بأمراء الأندلس الذين اجتمعوا لاستقباله و على رأسهم الأمير " المعتمد بن عباد " ، و دخل أشبيلية و مكث فيها أياما معدودة .. صائم النهار ، قائم الليل يتهجّد ، و يتلو كتاب الله . ويـفِـد عليه أمراء الطوائف و قد أتى كل واحد منهم بما استطاع جمعه من جند ، و خيل ، و مؤن . و بعد ثمانية أيام انطلق الجميع لملاقاة ألفونسو عبر أراضي " بطليوس " التي انضم أميرها إلى الجيش المرابطي . و في الوقت ذاته كان ألفونسو يحاصر مدينة " سرقسطة " ، و أتاه خبر تحرك جيش ابن تاشفين ، فقفل راجعاً خشية سقوط طليطلة بأيديهم ، و عقد الماكر تحالفاً مع " سانشو راميريز " ملك أراجون ، و مع " الكونت برنجار ريموند " صاحب بنبلونة ، فانضما بكامل جيشيهما إلى ألفونسو . و أنذر هذا الخبيث ملوك و أمراء أوروبا بأنه سيضطر للصلح مع المسلمين إن لم يساعدوه ، فوفدت إليه على الفور سرايا من الفرسان من ولايات فرنسا الجنوبية ، و غيرها من عموم أوروبا ، في حين قام الرهبان و البابوات بالتعبئة المعنوية للجيش النصراني .. و اعتبار هذه المعركة حربا مقدسة دفاعا عن الصليب ضد أعداء المسيح ، فكانت حملة صليبية بما تعنيه الكلمة من معنى .
مـعـركـة الــزلاّقـــة :
عسكر الطرفان في سهل في أرض بطليوس اسمه " الزلاقة " ، و يفصل بينهما نهر صغير . و قد بلغ تعداد جيش المسلمين ثمانية و أربعين ألفا ، و جيش النصارى اختلفت فيه الروايات ، و لكن المرجح أنه أكثر بكثير من جيش المسلمين . و مكث الطرفان في حالة ترقب .. و توجس لمدة ثلاثة أيام تتجاوب الرسل بينهما ، إلى أن بعث يوسف بن تاشفين إلى ألفونسو يخيره بين ثلاث ، كما سنّ ذلك سيد المجاهدين عليه الصلاة و السلام : إما أن يعتنق الإسلام ، و إما أن يؤدي الجزية ، فإن أبى فما له إلا القتال . و لما فهم ألفونسو فحوى الرسالة أجاب برسالة استهزأ فيها بيوسف ذلك الشيخ " البدوي " القادم من أعماق الصحراء ، و قد جهل الطاغية - الذي أغواه كثرة جنده .. و عدته - أن هذا الشيخ البدوي يملك عقلية فذة منقطعة النظير ، و عبقرية عسكرية من الدرجة الأولى ، سيرى مصداقها بأم عينيه .. ! و لما وصلت رسالته ابن تاشفين أمر الكاتب بأن يكتب على ظهرها جملة موجزة لكنها .. معبّـرة .. فكتب : " الذي يكون ستراه " .. ! ثم بعثها إليه .
و عندما تم الإتفاق على القتال ، قام يوسف بن تاشفين بوضع خطة المعركة ، فقسم الجيش إلى قسمين ؛ الأول و على رأسه المعتمد بن عباد ، و جعل معه أحد أبطال المرابطين و أفضل قادتهم و هو " داود بن عائشة " و عشرة آلاف من المرابطين ، و القسم الثاني على رأسه ابن تاشفين و بقية الجيش المرابطي الذين توزعوا في كمائن خلف التلال المحيطة بالسهل . و كذا ألفونسو قد قسّم جيشه إلى قسمين ، قسم قاده الكونت ريموند و راميريز ، و الآخر يقوده ألفونسو بنفسه .
و في يوم الجمعة الثاني عشر من رجب لعام 479 هـ ، بدأت المعركة المشهودة ، فكبّر المسلمون .. تظللهم رايات التوحيد ، و الصليبيون .. تظللهم الصلبان ، فالتحم الجيشان .. و ثار النقع .. و سالت الدماء .. و تطايرت الأشلاء .. و تدحرجت الرؤوس .. و ثُلمت السيوف .. و تهشّمت الدروع ، و المسلمون بقيادة المعتمد بن عباد و داود بن عائشة ثابتون ثبات الأبطال :
فالخيل تصهل ، و الفوارس تدعي *** و البيض تلمع ، و الأسنة تزهر
و الأرض خاشـعـــــــة تميد بثقـــلها *** و الجو معــتــــكر الجوانب أغبر
و الشمس طالعـة توقّــد في الضـحى *** طـوراً ، و يطفئها العجاج الأكدر
و القتال دائر على أشرس ما يكون القتال .. و البأس ، و ضُربت فيه صور رائعة من البطولة و الفروسية من الفريقين على حد سواء ، و لكن كفة الحرب مالت إلى جيش النصارى بسبب عامل الكثرة العددية الذي كان في صفهم ، و استبسال النصارى في سبيل دينهم و صليبهم ، فانسحب بعض أمراء الأندلس أمام هذا المد الجارف من جند ألفونسو لينكشف الجيش الأندلسي ، و لكن المعتمد ثبت فقتلت تحته ثلاثة أفراس .. و شُج رأسه .. و جُرحت يده اليمنى ، و مع هذا بقي صامدا صمود الأبطال هو و داود بن عائشة المرابطي ، و لكنهم اضطروا فيما بعد للتراجع .. خصوصا بعد انكشاف الجيش .. و تأخر المدد ، أما الطاغية ألفونسو فقد انتشى .. و شمخ بأنفه .. و هو يرى جيشه يلاحق جيش المسلمين كالريح لا يوقفها شيء ، و لكن ريح ألفونسو لاقت أعصاراً لم يكن في الحسبان .. !
حيث أتاه البطل يوسف بن تاشفين و جيشه من حيث لا يحتسب ، حينما التفّ على معسكره .. و دمّره تدميراً كاملاً .. ليقطع عليه بذلك خط الرجعة ، و يباغته من الخلف مستثمراً عامل المفاجأة الذي بث الرعب في قلوب النصارى بعد أن اطمأنوا إلى هزيمة المسلمين . و لما تفاجأ ألفونسو بالتفاف جيش ابن تاشفين اضطر هو و جيشه - الذي قد أعياه التعب - للعودة و الإلتحام بهذا الجيش الذي يتوقد حيوية و نشاطاً ، ليقع الطاغية ألفونسو بين مطرقة جيش ابن تاشفين ، و سندان المعتمد بن عباد الذي عاد هو و ابن عائشة و الجيش الأندلسي ، و لحق بهم الأمراء الذين انسحبوا لتدور مقتلة عظيمة للصليبيين في يوم من أيام الإسلام المشهودة ، و لم ينجلِ الغبار إلا و قتلى الصليبيين أكوام بعشرات الألوف ، و قد فر الطاغية ألفونسو يسحب أذيال الهزيمة .. و الخيبة ، و معه ثـلّـة يقدرون بين ثلاثمائة .. إلى خمسمائة فارس .. هم فلول جيشه الجرار .. ! و قد باء بطعنة نافذة في فخذه ، تُـضاف إلى طعنة الهزيمة في قلبه لتبقى شاهدة على هذه النكسة الشنيعة التي تلقاها على يد ذلك الشيخ " البدوي " طوال حياته .. !
و قضى المسلمون الليل بمعسكرهم فرحاً .. و صلاة .. و شكرا .. و سجودا .. و حمداً لله على هذا النصر المؤزّر المبين ، و ارتدت الأندلس حلل الفرحة .. و السعادة ، بعد أن اتشحت بالسواد زمناً طويلاً .. تجرعت فيه مرارة الهزائم .. و المآسي ، و تسابق الركبان بهذا الخبر إلى جميع أنحاء العالم الإسلامي ، فعمت مظاهر الفرحة العارمة أرجاء بلاد الإسلام قاطبة بهذا النصر العظيم الذي من الله به على عباده المجاهدين .
لم يكن هذا النصر نصراً عادياً .. تقليدياً ؛ و إنما كان علامة فارقة .. و منعطفاً مهماً في تاريخ الإسلام في الأندلس ، إذ أنه قد بعث الأمل من جديد في نفسيات مسلمي الأندلس المثقلة بالهزيمة النفسية بعد أن استمرأت الذل .. و الهوان ، بسبب الضعف .. و العجز عن عمل شئ حيال هذا المد الجارف الذي لن يستطيع المسلمون مهما ملكوا من قوة إيقافه ، فأذكى هذا الإنتصار جذوة الجهاد ضد النصارى من جديد بعد أن أخمدها ريح التشرذم .. و التمزّق بين دويلات الطوائف الضعيفة . و لذا فإن الأهمية العسكرية و النفسية لهذه المعركة عظيمة جدا ، إلى درجة أن المؤرخين - من المسلمين و النصارى - قالوا بأنها قد أسهمت و بشكل كبير بتأخير سقوط الأندلس أربعة قرون من الزمان ، إذ لم تسقط الأندلس بيد النصارى إلا في عام 897 هـ .. !
نهاية المعتمد بن عباد و دولته :
بعد هذه المعركة الفاصلة الحاسمة عاد يوسف بن تاشفين إلى المغرب لتدبير شئون ملكه ، و ترك الأندلس و قد أظهر الله المسلمين فيها على النصارى و أعز جانبهم ، بيد أن ملوك الطوائف قد عادوا إلى دأبهم و شأنهم القديم ، حيث دب بينهم التناحر و التشرذم من جديد ، و تركوا مجاهدة النصارى الذين سرعان ما قاموا بتضميد جراحاتهم .. و إعداد العدة لإعادة غزو المسلمين ، و لما تناهى هذا الأمر إلى مسامع ابن تاشفين ضاق بدويلات الطوائف ذرعا ، و هو يرى أن هاتيك الدويلات لن تستطيع الحفاظ على بلاد المسلمين و هم على هذا الحال المأساوي . و بدأت فتاوى العلماء .. و نداءات الفقهاء ترد إليه بوجوب التحرك للإطاحة بتلك الدويلات الهشة و توحيد رايتها لإنقاذ الإسلام في الأندلس ، و من بين أولئك الفقهاء الإمام " أبو حامد الغزالي " و " أبو بكر الطرطوشي " رحمهما الله ، و لحق الخليفة العباسي في بغداد أخيراً إلى ركب المحرضين .
فجهز يوسف بن تاشفين حملة جديدة و لكن على دويلات الطوائف هذه المرة ، فبسط نفوذه على الأندلس بعد معارك استطاع فيها إزالة هذه الدويلات و جمعها تحت راية واحدة ، و كان ممن أزال ملكهم " رفيق السلاح " المعتمد بن عباد حيث دافع عن عاصمة ملكه أشبيلية حتى هُزم عام 484 هـ ، و نُفي هو و أسرته إلى مدينة " أغمات " في المغرب ، ليكون شاهداً تاريخياً على تقلب الزمان بأصحابه ، و خطأ الركون إلى بقاء النعيم على و تيرة واحدة ، حيث كان هذا الإنسان و أسرته على درجة من التنعم .. و الترف .. و البذخ لا توصف ، فانقلبت به الحال إلى فقير .. حسير .. معدم .. ! و لنا في قصيدته المشهورة موعظة بالغة تحكي حاله .. و بُـنـيـّاته .. حين كنّ يلعبن بكثبان المسك و الكافور ، فبتن يغزلن للناس بأجرة ليعشن حياة الكفاف .. ! .. إذ يقول في أول أيام العيد في منفاه في أغمات :
فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا *** فساءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتك في الأطـمار جائعــة *** يغـــزلـن للناس ما يملكن قطـميـرا
بــرزن نحــوك لـلـتـسـليم خاشعة *** أبـصـارهــن حسيــرات مكاسيـرا
يـطـأن في الـطيـن و الأقـدام حافـيـة *** كـأنـهـا لـم تـطـأ مسكا و كافورا
أفطرت في العــيد لا عادت إساءته *** فــكان فـطـرك لـلأكـبـاد تـفـطـيـرا
قــد كـان دهـرك أن تـأمـره مـمتـثـلا *** فـردك الـدهـر منهـيا و مأمـورا
و يختم المعتمد بن عباد قصيدته بحكمة جديرة بأن تكون نصب عين كل إنسان قد أغراه إقبال الحياة الدنيا عليه ، و نسي .. أو تناسى أن الزمان دول ، من سره زمن .. ساءته أزمان ، إذ يقول :
مـن بـات بـعـدك فـي مُـلـكٍ يـسـرّ بـه *** فـإنما بـات بـالأحـلام مـــسرورا
و في عام 488هـ يُسدل الستار على فصول قصة الأمير المعتمد بن عباد المأساوية حينما توُفي ، و دُفن في أغمات و هو نكرة لا يعرفه إلا نفر ممن دفنه .. ! ليفضي إلى ما قدم إن خيراً .. فخير ، و إن شراً .. فشر ، و لكن مهما قيل .. و يقال .. و سيقال في حق هذا الأمير البائس من شماتة .. أو ذم .. أو نقد ؛ فإن التاريخ لن ينسى تلك الكلمة الخالدة .. التي أطلقها .. و تحمل تبعاتها من تضحيات .. :
" رعـي الإبــل ، خـيــر مـن رعـي الـخـنـازيـر "
و لن ينسى التاريخ شجاعته .. و حسن بلائه في معركة الزلاقة .. تلك المعركة التي سُطر ذكرها بمداد من ذهب في صفحات تاريخنا الإسلامي المجيد .
الإخوة الكرام .. أعتذر كثيرا على الإطالة ، و لكن لا بد من ذلك ، فقد حاولت اختصار هذه القصة قدر الإمكان فأتت على هذا الوجه الذي أرجو أن يكون قد نجح في توصيل الفكرة بشكل صحيح .. و غير مخل ، أسأل الله تعالى أن ينفعنا بهذه الدروس و العبر ، لتكون لنا حافزاً .. و باعثاً للتشمير .. و السير على خطى الأجداد .. و بعث تلك الأمجاد .. اللهم آمين .


المراجع :
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب - المقرّي .
تراجم إسلامية شرقية و أندلسية - محمد عبدالله عنان .
الزلاقة بقيادة يوسف بن تاشفين - شوقي أبو خليل .
التاريخ الأندلسي - عبدالرحمن الحجي .
المعتمد بن عباد و ابن تاشفين - بسام العسلي .
الأيام الحاسمة في الحروب الصليبية - بسام العسلي .
و مراجع أخرى متفرقة

الحمداني - الساحة العربية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق