الأربعاء، 5 مارس 2014

من صور الوفاء عند الشعراء

( 1 )

مضى عُرفُ الإرتزاقِ بالشّعرِ على أنّ الشّاعرَ يقومُ بينَ يدي ممدوحِهِ فـيـُنـشـدُ فيهِ غـُرَرَ قصائدِهِ ؛  يذكرُ فيها مناقبَهُ، و يُعدّدُ جميلَ خصالِهِ و مآثرِه ، و بعدّ أن يستمطرَ نداهُ ، و يهزّ جذعَ أريحيّتَه ، يقبضُ ثمَنَ قوافيهِ عطاءً مُجزياً . و ليسَ مهمّـاً إن يكونَ في هذا المديحِ صادقاً أم كاذباً ، المهمّ أن ينجحَ في مـَـلءِ جـيـوبِهِ ، و العـودةِ مِـن هذا المـَحـفـلِ بـكسـبٍ ثمين !
و ما دامَ هذا مُنتَهى همّ تلكَ الفئةِ من الشّعَراءِ ، فلا عجبَ أن تكونَ المباديءُ مطّـاطةً ، و المواقفُ لـيّـنـةً مِطواعةً ، تميلُ معَ ريحِ العطاءِ أنّى مالَت ، و تلقي رحلَها في كلّ وادٍ فيهِ بريقٌ للذّهبِ ، و رنّـةُ للدينار . فإذا ذهبَت ريحُ الممدوحِ ، و دالَت دولتُهُ ، و غربَت شمسُهُ ، ضربَ الشّعَراءُ عنهُ صفحاً ، و أداروا لهُ الظّهرَ ، و صعّروا لهُ الخدّ ، و نثَروا كنانَتَهُم بين يدَي القادمِ الجديدِ ، و هكذا دواليْكَ في دورةٍ شعـريّةٍ لا تتوقّفُ ، محورُها و قطبُ رحاهاَ اللهاثُ المحمومُ عنِ المالِ ، و لا شيءَ غيرَ المالِ !
و هذا ما حملَ الأميرَ الفارِسَ " أبا فـِراسِ الحمْـدانيّ " على أن يطلقَها زفرةً حرّى ، بعدَ أن عانى تقلّبَ الأحوالِ ، و مِن ثمّ انصرافَ النّاسِ عنه ، فقال :
و إنّ الذي يبقى على العهدِ منهمو *** و إن كثرَت دعواهمو لقليلُ
أقـلّـبُ طرفي لا أرى غيرَ صاحبٍ *** يميلُ معَ النعماءِ حيثُ تميلُ
و قد كانَ شاعرُنا دقيقاً لمّا قال : " و إن كثرَت دعواهمو لقليلُ " ؛ فما زالتِ الدنيا بخيرٍ ، و ما زالَ في الناسِ بقيّةٌ مِن أهلِ المروءاتِ و الفضلِ ،  يتشبّثونَ بعُـرى الوفاءِ للممدوحِ حتّى و إن أخنى عليهِ الدّهرُ ، و تكالبَت عليهِ العَـوادي  و طوارقُ الحدَثانِ ، فيأتيه الشّاعرُ مادحاً ، و هوَ يعلمُ تمامَ العلمِ أنّه معوزٌ ، و في حالٍ معَها عاجزٌ عن مكافأتِه كما كانَ يفعلُ فيما مَـضى .
( 2 )
و معَ تلكَ الفئةِ القليلةِ مِنَ الشعَراءِ الأوفياءِ لنا وقفةٌ عابرةٌ ، إذ يـذكرُ " الوطواطُ " في كتابِهِ : " غُرَرُ الخصائصِ الواضحة " ، و " ابن خلّكانَ " في : " وفياتُ الأعيان " أنّ  " الحجّاجُ بن يوسِفَ الثّـقـَفي  " قد سخِطَ على " يزيدَ بن المُـهلّب " الأميرِ الجوادِ ، حينَما كانَ والياً في " خراسان " بسببِ تقصيرٍ أصابَهُ في مالِ الدّولةِ . و كانَ الحجّاجُ يبغِـضُـهُ ، و يغـارُ منهُ ، فأودَعهُ السّجنَ في الكوفةِ و أمرَ بتعذيبِهِ ،  فسألَهُ يزيدُ أن يخفـّفَ عنهُ العذابَ على أن يعطيَهُ كلّ يومٍ مائةَ ألفِ درهَم، فإنْ أدّاها و إلاّ عـذّبَهُ إلى اللّيلِ .
و كانَ الشّاعرُ " الأخطل " مِن الشّعَراءِ الذينَ امتدّتْ صلاتُ يزيد بن المهلّب إليهِم مِن قبلُ ، فغمرَتـْه بإحسانِهِ و جوائزِهِ السّنيّةِ ، فـمرّ الأخطلُ بالكوفةِ ، و عـزّ عليهِ ألاّ يزورَ وليّ نعمتِهِ في محنتِهِ ، فيُواسيَه ، و يخفّفَ عنْهُ مصابَهُ الجلـَل ، و هوَ بطبيعةِ الحالِ يعلمُ يقيناً أنّهُ صِفـرٌ منَ المالِ و الجاهِ و السلطانِ ، فزارَهُ في غيابةِ السّجنِ ، و أنشدَهُ مادحاً :
أبـا خالـدٍ بـادَتْ خـُراسـانُ بعدَكمُ --- و صـــاحَ ذوو الحاجـاتِ أيـنَ يــزيـدُ
فلا مُطـِرَ " المروانُ " بعدَكَ مَطرةً --- و لا اخضرّ بالمَرويْـنِ بعدَكَ عودُ
فــمَا لسريـِرِ الـمُـلكِ بـعــدكَ بـهـجـة ٌ *--- و لا لـجوادٍِ بعـدَ جـــودِكَ جــــودُ
فما كانَ منَ يزيدَ و قد أحضروا لهُ مائةَ ألفِ درهمٍ لدرْءِ عذابِ ذلكَ اليومِ عنهُ ،  إلاّ أن هزّتهُ الأريحيّةُ و المروءةُ ، فـقـالَ : يا غُلام ، أعطِهِ المائةَ ألفِ درهم ؛ فإنّـا نصبرُ على عذابِ الحجّاجِ ، و لا نخيّبُ الأخطَـل !
فوصلَ الخبرُ إلى الحجّـاجِ ، فقال : " للهِ درّ يزيدَ ، لو كانَ تاركاً للسّخاءِ يوماً ، لتركَهُ اليومَ و هوَ يتوقّعُ الموتَ " ! ثمّ وهَبَ لهُ الحجّاجُ عذابَ ذلكَ اليومِ ، و يوماً بعدَه !
إنّ المتأمّلَ لهذهِ القصَةِ ليستولي عليهِ العجَبُ و الدهشةُ ، و يقفُ مشدوهاً متسائلاً : أيّهما أحرَزَ الفضلَ ؟
 أهوَ الأخطل بـوفائِهِ لممدوحِهِ بعدَ تقلّبِ الزّمانِ بهِ ؟
أو يزيدُ بكرَمِهِ و هوَ تحتَ نيـْرِ سياطِ الحجّاج ؟
فلا عجَبَ بعدَ ذلكَ أن يرقّقَ هذا الموقفُ النّادِرُ قلبَ الحجّاجِ ، و هوَ أقسى من الصمّ الجلاميد !
( 3 )
و وفاءُ الشّعَراءِ  كشأنِ خِــلّةِ الوفاءِ ذاتِها : درجاتٌ متباينةٌ ، و مراتبُ متفاوتةٌ ، ذروةُ سنامِها الوفاءُ للميّت و قَد فارَقَ الحياةَ الدّنيا ؛ لأنّ الوفاءَ للحيّ الذي عـضّـه الدهـرُ بنابـِهِ ، ربّما كانَ مَـمزوجاً بشعورٍ خفيّ أنّ البابَ ما زالَ موارباً لعودةِ الأمرِ إلى ما كانَ عليهِ مِن قبل ، فيعودُ المنكوبُ إلى سيرتِهِ الأولى ، ويتربّعُ على عرشِ السّؤدَدِ و الجاهِ من جديد ، فيكونُ الشاعرُ قَد حازَ يداً بيضاءَ ، لا يعدَم جَـوازيها .
أمّـا وفاءُ المرءِ للميّتِ فـقـَد كانَ بعدَ تصرّمِ حبالِ الرّجاء ، و انفـِراطِ عقدِ الأماني ، و حيلولةِ الموتِ دونَ وصالِ ممدوحِهِ الذي أضحى رهينَ أطباقِ الثّرى ؛ فلا عطاءَ مَن لدُنهُ يُـرتَـجى ، و لا ندىً مِنهُ يُؤمّـلُ ، فما ثمّةَ إلاّ الوفاءُ لمبدأِ الوفاءِ ذاتِهِ ، و إنّ هذا لعَـمرُ الحقّ قمّةُ الوفاءِ .

و الشّعَراءُ الذينَ حافَظوا على عهودِ الوفاءِ  للممدوحِ  بعدَ وفاتِهِ قلّةً قليلةٌ ، بَل هُم شامَـةٌ بينَ الشّعَراء ، نذكرُ مِنها أنّ  " الفتحَ بن خاقانِ " يذكرُ في كتابِهِ : " قلائد العـقَـيانِ " ، أنّ الشّاعرَ " أبا بحر بن عبدالصّمَد " أحَد شعُراءِ أميرِ بني الأحمَر " المُعتَمِد بن عبّاد " ، قَد أمضّهُ ماأصابَ الأخيرَ مِن نكْبةٍ و انقلابٍ في الحالٍ ؛ حيثُ قامَ أميرُ المُرابطين " يوسفُ بن تاشفين " بالقضاءِ على مُلْـكِ المُعتمِد بن عباد في أشبيليةَ، ثمّ نفاهُ ذليلاً كسيراً إلى " أغمات " في المغربِ ، ليَتجرّعَ غُصَصَ الذلّ و الفاقةِ بعدَ أن تقلّبَ في مهادِ النّعمةِ و رياشِ المُلكِ سنينَ طويلةً ، حتّى أنّ بناتِهِ كُنّ يشتغلنَ في الغزلِ لـيُـصبنَ عيشَهُنّ . و بعدَ حينٍ من الدهرِ ماتَ الأميرُ الفارسُ الشاعرُ الجوادُ حسيراً كما يموتُ أفقرُ النّاسِ ، فيا سُبحانَ من لهُ العزّةُ و الجبروت !

و رغمَ بُعدِ المزارِ و تـنَـائي الدّيار ضربَ شاعرُنا الوفيّ " أبو بحر " أكبادَ الإبـلِ ، لزيارةِ قبر المُعتمِدِ بن عبّادِ وفاءً لهُ ؛ إذ كانَ ممّن يغـشَوْنَ بلاطـَهُ ، فيُنشدُ فيهِ قصائدَهُ ، فُيجزلُ المعتمدُ لهُ العطاءَ ، أمّـا الآنَ فقد ولّى كلّ هذا ، و لَم يبقَ إلاّ قبرٌ طوى رمّـةً لا تنفعُ و لا تضرّ . و لمّا كانَ ضحوةُ أحدِ الأعيادِ ، و زارَ النّاسُ أحبابَهُم ، وقفَ شاعرُنا على قبرِ سيّدِهِ ، و أخذَ تُرابَهُ و لثَمُه ، و أنشدَ قصيدةً رائعةً أقتطفُ منها هذهِ الأبيات:

لمّا خلَت منكَ القصورُ و لم تكُن --- فيها كما قد كنتَ في الأعيادِ

أقبلتُ في هذا الثّرى لكَ خاضعاً --- و تـخذتُ قبركَ موضعَ الإنشادِ

 قَد كنتُ أحسبُ أن تبدّدَ أدمُعي --- نيرانُ حُزنٍ أضرمَت بفؤادي

فـإذا بـدمـعي كـلّـما أجريـتـُهُ --- زادَت عـلـيّ حـرارةُ الأكـبـــادِ

يا أيّها القمرُ المـنـيرُ أهـكـذا --- يـُمحى ضـياءُ الـنـيـّرِ الوقّادِ

أفـقـدتَ عيني مُذ فقـَدتُ إنارةً --- لحِجابِها في ظلمةٍ و سوادِ

ما كانَ ظنّي قبلَ قبرِكَ أن أرى --- قبراً يضمّ شوامخَ الأطوادِ

الهضبةُ الشمّاءُ تحتَ ضريحِهِ --- و البحرُ ذو التيّارِ و الأزبادِ

عهدي بملكي و هوَ طلقٌ ضاحكٌ --- مُتهلّلُ الصّفحاتِ للقصّادِ

و المالُ ذو شملٍ بدادٍ و النّدى --- يهمي و شملُ المُلكِ غيرِ بدادِ

أيّامَ تخفقُ فـوقـَكَ الراياتُ فَوْ --- قَ كـتائبِ الرّؤساءِ و الأجنادِ

و الأمرُ أمرُكَ و الزّمانُ مـبـشّـرٌ --- بمـمالِكَ قـَد أذعـنـَت و بلادِ

و الخيلُ تمرحُ و الفوارسُ تنحني --- بينَ الصوارُمِ و القَنا الميّادِ

يقول ابن خاقان : " و هي قصيدةٌ أطالَ إنشادَها ، و بنى بها اللواعجَ و شادَها ، فانحشرَ النّاسُ إليهِ و أحفلوا ، و بكوا لبكائِهِ و عوّلوا ... مديمينَ البُكاءِ و العجيجِ ، ثمّ انصرفوا و قَد نزفوا ماءِ عيونِهم ، و أقرَحوا مآقيِهِم و جفونَهم ، و هذهِ نهايةُ كلّ عيشٍ ، و غايةُ كلّ ملكٍ و جيش " .

و بعـدُ ، فإنّ الشّعَراءَ كغيرِهِم من بني البشَرِ ، يتفاوتونَ في تحصيلِ الكمالاتِ الخلُقيّةِ ؛ فمَنهُم مُفلسٌ منها جَحودٌ كنودٌ لا يعرفُ للوفاءِ وزناً ، و منهُم الأوفياءُ الذينَ بلَغوا الغايةَ في هذا الخلُقِ السّامي ، و ما مِن شكّ أنّ التّاريخَ لن يساويَ بينَ هذا و ذاكَ ، بل سيُخلّدُ ذكرَ الأوفياءَ بحروفٍ من نورِ ، و سيُيقي لهُم الذكرَ العاطرَ ، و حُسنَ الأحدوثةِ ، كما كانَ ذلكَ لشاعرَيْـنـا الآنـِـفَـيـْن .
و اللهُ المُوفـّق .
أخوكم الواثق بنصر الله
أنـــــــــــــور بـــــــاشــــــا


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق