( 1 )
مضى عُرفُ الإرتزاقِ بالشّعرِ على أنّ الشّاعرَ يقومُ بينَ يدي ممدوحِهِ فـيـُنـشـدُ فيهِ غـُرَرَ قصائدِهِ ؛ يذكرُ فيها مناقبَهُ، و يُعدّدُ جميلَ خصالِهِ و مآثرِه ، و بعدّ أن يستمطرَ نداهُ ، و يهزّ جذعَ أريحيّتَه ، يقبضُ ثمَنَ قوافيهِ عطاءً مُجزياً . و ليسَ مهمّـاً إن يكونَ في هذا المديحِ صادقاً أم كاذباً ، المهمّ أن ينجحَ في مـَـلءِ جـيـوبِهِ ، و العـودةِ مِـن هذا المـَحـفـلِ بـكسـبٍ ثمين !
و ما دامَ هذا مُنتَهى همّ تلكَ الفئةِ من الشّعَراءِ ، فلا عجبَ أن تكونَ المباديءُ مطّـاطةً ، و المواقفُ لـيّـنـةً مِطواعةً ، تميلُ معَ ريحِ العطاءِ أنّى مالَت ، و تلقي رحلَها في كلّ وادٍ فيهِ بريقٌ للذّهبِ ، و رنّـةُ للدينار . فإذا ذهبَت ريحُ الممدوحِ ، و دالَت دولتُهُ ، و غربَت شمسُهُ ، ضربَ الشّعَراءُ عنهُ صفحاً ، و أداروا لهُ الظّهرَ ، و صعّروا لهُ الخدّ ، و نثَروا كنانَتَهُم بين يدَي القادمِ الجديدِ ، و هكذا دواليْكَ في دورةٍ شعـريّةٍ لا تتوقّفُ ، محورُها و قطبُ رحاهاَ اللهاثُ المحمومُ عنِ المالِ ، و لا شيءَ غيرَ المالِ !
و هذا ما حملَ الأميرَ الفارِسَ " أبا فـِراسِ الحمْـدانيّ " على أن يطلقَها زفرةً حرّى ، بعدَ أن عانى تقلّبَ الأحوالِ ، و مِن ثمّ انصرافَ النّاسِ عنه ، فقال :
و إنّ الذي يبقى على العهدِ منهمو *** و
إن كثرَت دعواهمو لقليلُ
أقـلّـبُ طرفي لا أرى غيرَ صاحبٍ *** يميلُ
معَ النعماءِ حيثُ تميلُ
و قد كانَ شاعرُنا دقيقاً لمّا قال : " و إن كثرَت
دعواهمو لقليلُ " ؛ فما زالتِ الدنيا بخيرٍ ، و ما زالَ في الناسِ بقيّةٌ مِن أهلِ
المروءاتِ و الفضلِ ، يتشبّثونَ بعُـرى الوفاءِ للممدوحِ حتّى و إن أخنى عليهِ
الدّهرُ ، و تكالبَت عليهِ العَـوادي و طوارقُ الحدَثانِ ، فيأتيه الشّاعرُ مادحاً
، و هوَ يعلمُ تمامَ العلمِ أنّه معوزٌ ، و في حالٍ معَها عاجزٌ عن مكافأتِه كما
كانَ يفعلُ فيما مَـضى .
( 2 )
و معَ تلكَ الفئةِ القليلةِ مِنَ الشعَراءِ
الأوفياءِ لنا وقفةٌ عابرةٌ ، إذ يـذكرُ " الوطواطُ " في كتابِهِ : " غُرَرُ
الخصائصِ الواضحة " ، و " ابن خلّكانَ " في : " وفياتُ الأعيان " أنّ "
الحجّاجُ بن يوسِفَ الثّـقـَفي " قد سخِطَ على "
يزيدَ بن المُـهلّب " الأميرِ الجوادِ ، حينَما كانَ
والياً في " خراسان " بسببِ تقصيرٍ أصابَهُ في مالِ الدّولةِ . و كانَ الحجّاجُ
يبغِـضُـهُ ، و يغـارُ منهُ ، فأودَعهُ السّجنَ في الكوفةِ و أمرَ بتعذيبِهِ ،
فسألَهُ يزيدُ أن يخفـّفَ عنهُ العذابَ على أن يعطيَهُ كلّ يومٍ مائةَ ألفِ درهَم،
فإنْ أدّاها و إلاّ عـذّبَهُ إلى اللّيلِ .
و كانَ الشّاعرُ "
الأخطل " مِن الشّعَراءِ الذينَ امتدّتْ صلاتُ يزيد بن المهلّب إليهِم مِن
قبلُ ، فغمرَتـْه بإحسانِهِ و جوائزِهِ السّنيّةِ ، فـمرّ الأخطلُ بالكوفةِ ، و عـزّ
عليهِ ألاّ يزورَ وليّ نعمتِهِ في محنتِهِ ، فيُواسيَه ، و يخفّفَ عنْهُ مصابَهُ
الجلـَل ، و هوَ بطبيعةِ الحالِ يعلمُ يقيناً أنّهُ صِفـرٌ منَ المالِ و الجاهِ و
السلطانِ ، فزارَهُ في غيابةِ السّجنِ ، و أنشدَهُ مادحاً :
أبـا خالـدٍ بـادَتْ خـُراسـانُ بعدَكمُ
--- و صـــاحَ ذوو الحاجـاتِ أيـنَ يــزيـدُ
فلا مُطـِرَ " المروانُ " بعدَكَ مَطرةً
--- و لا اخضرّ بالمَرويْـنِ بعدَكَ عودُ
فــمَا لسريـِرِ الـمُـلكِ بـعــدكَ
بـهـجـة ٌ *--- و لا لـجوادٍِ بعـدَ جـــودِكَ جــــودُ
فما كانَ منَ يزيدَ و قد أحضروا لهُ مائةَ
ألفِ درهمٍ لدرْءِ عذابِ ذلكَ اليومِ عنهُ ، إلاّ أن هزّتهُ الأريحيّةُ و المروءةُ
، فـقـالَ : يا غُلام ، أعطِهِ المائةَ ألفِ درهم ؛ فإنّـا
نصبرُ على عذابِ الحجّاجِ ، و لا نخيّبُ الأخطَـل !
فوصلَ الخبرُ إلى الحجّـاجِ ، فقال :
" للهِ درّ يزيدَ ، لو كانَ تاركاً للسّخاءِ يوماً ، لتركَهُ
اليومَ و هوَ يتوقّعُ الموتَ " ! ثمّ وهَبَ لهُ الحجّاجُ عذابَ ذلكَ اليومِ
، و يوماً بعدَه !
إنّ المتأمّلَ لهذهِ القصَةِ ليستولي عليهِ
العجَبُ و الدهشةُ ، و يقفُ مشدوهاً متسائلاً : أيّهما أحرَزَ
الفضلَ ؟
أهوَ الأخطل بـوفائِهِ لممدوحِهِ بعدَ
تقلّبِ الزّمانِ بهِ ؟
أو يزيدُ بكرَمِهِ و هوَ تحتَ نيـْرِ سياطِ
الحجّاج ؟
فلا عجَبَ بعدَ ذلكَ أن يرقّقَ هذا الموقفُ
النّادِرُ قلبَ الحجّاجِ ، و هوَ أقسى من الصمّ الجلاميد !
( 3 )
و وفاءُ الشّعَراءِ كشأنِ خِــلّةِ الوفاءِ
ذاتِها : درجاتٌ متباينةٌ ، و مراتبُ متفاوتةٌ ، ذروةُ سنامِها الوفاءُ للميّت و
قَد فارَقَ الحياةَ الدّنيا ؛ لأنّ الوفاءَ للحيّ الذي عـضّـه الدهـرُ بنابـِهِ ،
ربّما كانَ مَـمزوجاً بشعورٍ خفيّ أنّ البابَ ما زالَ موارباً لعودةِ الأمرِ إلى ما
كانَ عليهِ مِن قبل ، فيعودُ المنكوبُ إلى سيرتِهِ الأولى ، ويتربّعُ على عرشِ
السّؤدَدِ و الجاهِ من جديد ، فيكونُ الشاعرُ قَد حازَ يداً بيضاءَ ، لا يعدَم
جَـوازيها .
أمّـا وفاءُ المرءِ للميّتِ فـقـَد كانَ
بعدَ تصرّمِ حبالِ الرّجاء ، و انفـِراطِ عقدِ الأماني ، و حيلولةِ الموتِ دونَ
وصالِ ممدوحِهِ الذي أضحى رهينَ أطباقِ الثّرى ؛ فلا عطاءَ مَن لدُنهُ يُـرتَـجى ،
و لا ندىً مِنهُ يُؤمّـلُ ، فما ثمّةَ إلاّ الوفاءُ لمبدأِ الوفاءِ ذاتِهِ ، و إنّ
هذا لعَـمرُ الحقّ قمّةُ الوفاءِ .
و الشّعَراءُ الذينَ حافَظوا على
عهودِ الوفاءِ للممدوحِ بعدَ وفاتِهِ قلّةً قليلةٌ ، بَل هُم شامَـةٌ بينَ
الشّعَراء ، نذكرُ مِنها أنّ " الفتحَ بن خاقانِ " يذكرُ في كتابِهِ : " قلائد
العـقَـيانِ " ، أنّ الشّاعرَ " أبا بحر بن عبدالصّمَد
" أحَد شعُراءِ أميرِ بني الأحمَر " المُعتَمِد بن عبّاد
" ، قَد أمضّهُ ماأصابَ الأخيرَ مِن نكْبةٍ و انقلابٍ في الحالٍ ؛ حيثُ قامَ أميرُ
المُرابطين " يوسفُ بن تاشفين " بالقضاءِ على مُلْـكِ المُعتمِد بن عباد في أشبيليةَ،
ثمّ نفاهُ ذليلاً كسيراً إلى " أغمات " في المغربِ ، ليَتجرّعَ غُصَصَ الذلّ و
الفاقةِ بعدَ أن تقلّبَ في مهادِ النّعمةِ و رياشِ المُلكِ سنينَ طويلةً ، حتّى أنّ
بناتِهِ كُنّ يشتغلنَ في الغزلِ لـيُـصبنَ عيشَهُنّ . و بعدَ حينٍ من الدهرِ ماتَ
الأميرُ الفارسُ الشاعرُ الجوادُ حسيراً كما يموتُ أفقرُ النّاسِ ، فيا سُبحانَ من
لهُ العزّةُ و الجبروت !
و رغمَ بُعدِ المزارِ و تـنَـائي
الدّيار ضربَ شاعرُنا الوفيّ " أبو بحر " أكبادَ الإبـلِ ، لزيارةِ قبر المُعتمِدِ
بن عبّادِ وفاءً لهُ ؛ إذ كانَ ممّن يغـشَوْنَ بلاطـَهُ ، فيُنشدُ فيهِ قصائدَهُ ،
فُيجزلُ المعتمدُ لهُ العطاءَ ، أمّـا الآنَ فقد ولّى كلّ هذا ، و لَم يبقَ إلاّ
قبرٌ طوى رمّـةً لا تنفعُ و لا تضرّ . و لمّا كانَ ضحوةُ أحدِ الأعيادِ ، و زارَ
النّاسُ أحبابَهُم ، وقفَ شاعرُنا على قبرِ سيّدِهِ ، و أخذَ تُرابَهُ و لثَمُه ، و
أنشدَ قصيدةً رائعةً أقتطفُ منها هذهِ الأبيات:
لمّا خلَت منكَ القصورُ و لم تكُن
--- فيها كما قد كنتَ في الأعيادِ
أقبلتُ في هذا الثّرى لكَ خاضعاً
--- و تـخذتُ قبركَ موضعَ الإنشادِ
قَد كنتُ أحسبُ أن تبدّدَ أدمُعي
--- نيرانُ حُزنٍ أضرمَت بفؤادي
فـإذا بـدمـعي كـلّـما أجريـتـُهُ
--- زادَت عـلـيّ حـرارةُ الأكـبـــادِ
يا أيّها القمرُ المـنـيرُ أهـكـذا
--- يـُمحى ضـياءُ الـنـيـّرِ الوقّادِ
أفـقـدتَ عيني مُذ فقـَدتُ إنارةً
--- لحِجابِها في ظلمةٍ و سوادِ
ما كانَ ظنّي قبلَ قبرِكَ أن أرى
--- قبراً يضمّ شوامخَ الأطوادِ
الهضبةُ الشمّاءُ تحتَ ضريحِهِ ---
و البحرُ ذو التيّارِ و الأزبادِ
عهدي بملكي و هوَ طلقٌ ضاحكٌ ---
مُتهلّلُ الصّفحاتِ للقصّادِ
و المالُ ذو شملٍ بدادٍ و النّدى
--- يهمي و شملُ المُلكِ غيرِ بدادِ
أيّامَ تخفقُ فـوقـَكَ الراياتُ فَوْ
--- قَ كـتائبِ الرّؤساءِ و الأجنادِ
و الأمرُ أمرُكَ و الزّمانُ
مـبـشّـرٌ --- بمـمالِكَ قـَد أذعـنـَت و بلادِ
و الخيلُ تمرحُ و الفوارسُ تنحني
--- بينَ الصوارُمِ و القَنا الميّادِ
يقول ابن خاقان : " و هي قصيدةٌ أطالَ
إنشادَها ، و بنى بها اللواعجَ و شادَها ، فانحشرَ النّاسُ إليهِ و أحفلوا ، و بكوا
لبكائِهِ و عوّلوا ... مديمينَ البُكاءِ و العجيجِ ، ثمّ انصرفوا و قَد نزفوا ماءِ
عيونِهم ، و أقرَحوا مآقيِهِم و جفونَهم ، و هذهِ نهايةُ كلّ عيشٍ ، و غايةُ كلّ
ملكٍ و جيش " .
و بعـدُ ، فإنّ الشّعَراءَ كغيرِهِم
من بني البشَرِ ، يتفاوتونَ في تحصيلِ الكمالاتِ الخلُقيّةِ ؛ فمَنهُم مُفلسٌ منها
جَحودٌ كنودٌ لا يعرفُ للوفاءِ وزناً ، و منهُم الأوفياءُ الذينَ بلَغوا الغايةَ في
هذا الخلُقِ السّامي ، و ما مِن شكّ أنّ التّاريخَ لن يساويَ بينَ هذا و ذاكَ ، بل
سيُخلّدُ ذكرَ الأوفياءَ بحروفٍ من نورِ ، و سيُيقي لهُم الذكرَ العاطرَ ، و حُسنَ
الأحدوثةِ ، كما كانَ ذلكَ لشاعرَيْـنـا الآنـِـفَـيـْن .
و اللهُ المُوفـّق .
أخوكم الواثق بنصر الله
أنـــــــــــــور بـــــــاشــــــا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق