الأربعاء، 5 مارس 2014

" أنور باشا " و الأشجار لا تموت إلا واقفة !


بسم الله الرحمن الرحيم
في الوقت الذي كانت فيه شمس الدولة العثمانية مائلة نحو الغروب ، و هي تمر في أسوأ مراحل ضعفها و أحلكها ، حتى أُطلق عليها تسمية : " الرجل المريض " .. ! وُلِد في عاصمة الخلافة استانبول في عام 1881 م غلام اسمه : " أنور " لأب يُدعى " أحمد أفندي " موظف في إدارة الطرق العثمانية ، و ترعرع هذا الغلام في إستانبول و كبر ثم التحق بالأكاديمية الحربية ، و قد أبدى نجابة و نبوغاً ، و دهاءً عسكرياً ، و انضباطاً أخلاقياً أعجب الكثيرين ، فترقّى في السلك العسكري حتى نال رتبة رفيعة و هي رتبة : " باشا " رغم حداثة سنه ، ثم أبلى بلاءً حسناً في عديد من المعارك في البلقان و غيرها من المعارك التي خاضها دفاعاً عن الدولة العثمانية ، مؤكداً بذلك مهارته .. و شدة مراسه في خوض الحروب .
أنور باشا في جمعية " الإتحاد و الترقي " :
كانت الدولة العثمانية حينذاك - و كما أسلفنا - تمر بمرحلة ضعف شديد ، و تخبط في الإدارة السياسية و الإقتصادية و العسكرية ، الأمر الذي حدا بالعديد من المثقفين وقياديي الجيش للإنضمام إلى جمعية : " الإتحاد و الترقي " مخدوعين بشعاراتها البراقة و الجذابة ، مثل : إطلاق الحريات ، و قيام الحياة النيابية ، و إعلان الدستور ، بيد أنها في واقع الأمر كانت تخفي وراء هذه الشعارات السم الزعاف ، و الحقد على الإسلام ، و محاولة إقتلاع جذوره من الأمة التركية ! إذ كان أكثر المنتمين إلى هذه الجمعية ينتمون أصلاً إلى الجمعيات الماسونية اليهودية ، و يعملون على تحقيق أهداف يهودية بحتة كما سنرى .. !
و قد انخرط " أنور باشا " كغيره من الضباط في صفوف هذه الجمعية ، ظناً منه - و هو الشاب المتحمس - أنها ستساهم في حل المشكلات التي تواجهها الدولة العثمانية ، فتحمس لها ، و لنشاطاتها ، فغدا أحد أبرز ناشطيها على الإطلاق ، حيث كان عضواً بارزاً في هيئة الإدارة المركزية في " سلانيك " ، و ضابط اتصال بين الهيئة ، و باقي الفروع في المناطق الأخرى .
و عندما رفض السلطان " عبدالحميد الثاني " عام 1901 م ، عرض اليهود في مساعدة الدولة العثمانية ماديا لإنقاذ إقتصادها المتردي مقابل إنشاء وطن صغير لليهود في فلسطين ، قام الإتحاديون جراء ذلك برفع نبرة الإعتراضات على سياسات السلطان " عبدالحميد الثاني " تحت العديد من الدعاوى المختلفة ، و هي إن كانت في بعضها صحيحة ، إلا أن الغاية الحقيقية من هذه الدعاوى هو إزاحة هذه العقبة الكأداء - أي السلطان عبدالحميد - عن طريق اليهود ، لتحقيق حلمهم التاريخي بإنشاء دولتهم في فلسطين . فحاولوا في يوليو عام 1908 م عمل إنقلاب ضد السلطان ، فأحدثوا فوضى .. و هرجاً .. و مرجاً ، عندما فتحوا السجون ليخرج منها المجرمون .. و القتلة .. و قطاع الطرق ، ليعيثوا في الأرض فسادا ، و لكن الجماهير المسلمة تعلقت بالسلطان ، و التفت حوله كخليفة لهم ، و أبدت له الولاء و الطاعة ، فلم ينجح الإنقلاب هذه المرة . و لكن بعد عدة أشهر قام فئة من كبار الضباط بالقيام بالإنقلاب الثاني ليعزلوا السلطان عبدالحميد في مارس عام 1909 م ، و قد كان على رأس هؤلاء الضباط صاحبنا : " أنور باشا " ! الأمر الذي مهد الطريق فيما بعد للطاغية " مصطفى كمال أتاتورك " ، بدقّ آخر مسمار في نعش الخلافة الإسلامية ، و إلغائها في عام 1924 م .. !
الإتحاديون و مستنقع الحرب العالمية الأولى :
بعد ذلك ، تسلم الإتحاديون زمام الحكم رغم أنهم قد نصّبوا خليفةً صورياً لا يملك من الأمر شيئا ، فرزحت الدولة العثمانية تحت مغامرات تلك الفئة من الضباط المتهورين و من أبرزهم : " طلعت باشا " و هو الصدر الأعظم ، و " جمال باشا " و هو قائد الجيش الرابع في الشام ، و صاحبنا " أنور باشا " وزير الحربية الذي تقلّد هذا المنصب و هو لم يتجاوز الثلاثة و الثلاثين عاما ! و كان الثلاثة ممن يفتقدون الخبرة السياسية ، خصوصا في مجابهة دول لها باع طويل في اللعب على حبال السياسة ، و فنون إخضاع الدول والشعوب ، مثل : بريطانيا و فرنسا ، و تجلى ذلك حينما كانت نُـذُر الحرب العالمية الأولى تلوح في الأفق ، فزجّ أولئك الضباط برعونتهم .. و سوء تخطيطهم بالدولة العثمانية ، إلى أتون الحرب ، وقوفاً إلى جانب حليفتهم " ألمانيا " التي كانت في أوج غبطتها لهذا التحالف ضد أعدائها التقليديين : فرنسا و بريطانيا و حلفائهما ، التي لم يكن العثمانيون في أي حال من الأحوال على استعداد لخوض أية حروب معها ، و ذلك لحجم الفارق الهائل بين الطرفين من حيث الجاهزية .. و الإعداد .. و التسليح .. !
و دارت رحى الحرب في عام 1914 م ، و تعاقبت الخسائر .. و ترادفت الهزائم ، و أخذت رقعة الدولة العثمانية تنقص تدريجياً من أطرافها ، إلى أن انتهت الحرب في عام 1918 بهزيمة شنيعة للدولة العثمانية و ألمانيا ، بل قد احتلّ الحلفاء عاصمة الخلافة " إستانبول " ! فرفع الإتحاديون راية الإستسلام البيضاء للحلفاء ، و أقاموا حكومة انتقالية تدير شئون الدولة ، و قرر ثمانية من قياديي الدولة مغادرة الدولة خشية على أنفسهم من تداعيات الحرب ، سواء من قِـبَـل الإعداء ، أو من أفراد الشعب العثماني المفجوع بكرامته ، فركبوا سفينة ألمانية تقلّهم إلى جزيرة " القرم " ، و وصلوها و قد أعدت ألمانيا لهم قطاراً يحملهم إلى برلين إلى حيث منفاهم ، و لكن أحد أولئك الثمانية فرّ خلسة من القطار و هم في طريقهم إلى برلين .. !
من هو .. ؟
إنه : أنور باشا .. !
أنـور بـــاشــا إلـــــى روســـيـــــا :
سافر أنور باشا إلى " موسكو " عاصمة " البلاشفة " الشيوعيين في روسيا الذين قاموا للتوّ بالإنقلاب على الحكم القيصري عام 1917 م ، و أقاموا على أنقاضه حكومة شيوعية تحكم الشعب بالحديد و النار ، و كان هؤلاء البلاشفة قد منحوا الوعود لأنور باشا بتقديم الدعم العسكري للعثمانيين ضد بريطانيا عدوّهم المشترك ، و كان أنور باشا الذي يتوقّد حماساً .. و إباءً للذل و الهزيمة ، يرى بأن المعركة لم تنتهِ بعد ، فمكث مع البلاشفة ردحاً من الزمن ، يروح و يغدو عليهم أملاً بإنجاز وعودهم العرقوبية .. ! و لكنه لم يجد منهم غير الكلام .. و الأماني العِــراض .. و المماطلة .. !
بـيـْد أن أنور باشا اتضح له فيما بعد عمق الهوة بين ما يرمي إليه ، و ما يرمي إليه أولئك الملحدون ؛ إذ هو يريد إعادة العزة للإسلام ممثلة بإرجاع الهيبة المفقودة للدولة العثمانية ، و هؤلاء يرمون إلى تكريس هزيمة الإسلام في تركيا ، لا سيما بعد أن اتضح أنهم قد كانوا على اتفاق مع " كمال أتاتورك " بعدم تقديم أي دعم لأنور باشا ! و تأكّد له ذلك حينما أماط البلاشفة الشيوعيون اللثام عن و جههم القبيح ، فقاموا بعمليات وحشية لاجتثاث الإسلام من جذوره بمنجلهم الأحمر في بلاد التركستان الإسلامية ؛ و قاموا فيها بارتكاب مجازر ضد المسلمين ، و انتهكت فيها الأعراض ، و أهدرت الحرمات ، و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم :
و كشّرت الأنياب ، و امتـد مخـلب *** و عـوّت ذئـاب البيد و الفلوات
و دوّت جيوش الغاب تسحق دونها *** دياراً و ترمي شاهق الذروات
تـمـزّ ق أوصـال الـبـلاد غـنــائــماً *** تـناهــبها فـي جهـرة وبـيـات
فما كان من أنور باشا إلا أن هبّ كالليث لنجدة إخوانه هناك ، فالتحق بكتائب المجاهدين ، موظّفاً كل خبراته العسكرية في القيادة و الحرب في تنظيم كتائب المجاهدين ، و قام بتحريض الأهالي للجهاد .. و معلياً لرايته ضد الملحدين الروس ، فنظم قوة عسكرية عصرية التشكيل ، و اهتم بترقية أحوال المسلمين هناك من كل النواحي العلمية ، و الصحية ، و الأدبية ، و المادية ، و أنشأ مصنعاً للذخيرة ليكون مدداً للقوات المجاهدة ، فانضم إليه الأهالي من كل حدب و صوب ، و التفّـوا حوله حباً فيه لـِما لمسوا فيه من صدق .. و عاطفة إسلامية متوهّجة .
و شرعت كتائب المجاهدين في العمليات الجهادية ضد الروس ، فحققت انتصارات أبهرت العالم بأسره ، على الرغم من اتساع الفارق بين الجيشين سواء من ناحية التسليح ، أو العدد ، فاسترجعت كتائب المجاهدين خمس ولايات من أصل تسع ولايات اجتاحها البلاشفة ، و استمر الجهاد و كتائب المجاهدين بفضل من الله تعالى تنتصر .. و تغنم ، و جيوش الملحدين تندحر .. و تًغرم .
و لبث " أنور باشا " في جهاده ضد الروس أحد عشر شهراً ضرب فيه أروع الأمثلة من الصمود و الشجاعة ، الأمر الذي أرّق قادة البلاشفة .. و أقض مضاجعهم ، فجرّدوا له حملة جديدة قوامها ثمانون ألفاً يقودهم جنرال روسي اسمه " قامانييف " ، و التحم الجيشان عند بلد اسمه " بالجوان " ، و لكن كتائب المجاهدين اضطرت بسبب نقص الذخيرة إلى التراجع ، و هنا ظهرت مشكلة أخرى و هي قلة الضباط في كتائب المجاهدين حيث فقد أنور السيطرة على جناحي الجيش ، فاستطاع العدو اختراق ميمنة المجاهدين ، فجاء أنور ليقود الميمنة بنفسه ، إلا أن الروس كانوا قد أعدوا له كميناً نصبوا فيه الرشاشات ، فوقع أنور في الكمين و سقط مضرجاً بدمائه في ساحة الوغى وهو لم يتجاوز الأربعين عاماً ، و على إثر استشهاده هًزمت كتائب المجاهدين في تلك المعركة ، و ذلك في أول يوم من أيام العيد الأضحى لعام 1338 هـ ، الموافق عام 1922 م
فاجتمع ثلاثون ألفاً من الأهالي و عملوا له جنازة هائلة لم تشهد لها تلك البلاد مثيلاً ، و واروه التراب ، يقول الأمير " شكيب أرسلان " رحمه الله : " و أحبه أهالي تلك البلاد حباً جماً ، لما رأوه من تواضعه ، و دماثة أخلاقه ، و توطئته كنفه لخاصتهم و عامتهم ، و قد أحدثت ثورته هذه انتباهاً لا يوصف في تلك البلاد " .
ويضيف الأمير بأن الشرقيين في الهند و غيرها لم يكونوا - لفرط حبهم لأنور باشا - يصدقون بخبر وفاته ، إذ يقول : " و مع هذا فغرام الشرقيين بأنور كان يحدو جرائدهم على ترجيح خبر بقائه حياً ، و ما زالوا يلهجون بذلك حتى أعلن الأمير " الالاي علي رضا بك " نائب أنور بياناً في الجرائد الهندية يقول فيه : " مضى زمن على شهادة الغازي أنور باشا الذي كان يجاهد لتحرير تركستان فهو اليوم ليس في أفغانستان و لا في إيران ، و لا على حدود الهند ، بل قد انتقل إلى جوار ربه الذي جاهد لنيل مرضاته بماله ، و نفسه ... فرجاؤنا من مسلمي الهند أن لا يجددوا أحزاننا بنشر الأخبار الكاذبة عنه ، بل أن يسألوا الله تعالى له المغفرة و الجنة " انتهى " .
بعد هذا التطواف في سيرة " أنور باشا " رحمه الله رحمة واسعة ، نرى بأنه قد ارتكب جرماً عظيماً في حق أمته و هو عزل السلطان عبدالحميد الثاني عن الخلافة ، و كذلك إقحام الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى و هي لم تكن مستعدة لذلك ، و لكن عندما نتأمل ما جرى بعد ذلك من أحداث ، و إشعاله جذوة الجهاد ضد الملحدين الروس ، و بطولاته المشرّفة ، و استشهاده نرى أنه قد كفر عن خطاياه تكفيراً عملياً ، إذ قد حاول بكل السبل أن يعيد المجد الإسلامي للدولة العثمانية ، و لما عجز عن ذلك قاد كتائب المجاهدين في تركستان ضد الملحدين البلاشفة ، و استمر على ذلك إلى أن مات ميتتة كريمة .. بل هي أكرم ميتة يموتها الإنسان ، على صهوة جواده .. و في أشرف موضع .. و هو موضع الجهاد ضد أعداء الله تعالى .
لقد كان لهذا البطل مندوحة أن يعيش في زوايا الأرض كرفيقه " طلعت باشا " الذي بدأ حياته الجديدة في الظلام ، تحت إسم مستعار في ألمانيا ، أو أن يحيا معززاً مكرماً محظياً عند الملوك ، كما عاش رفيقه الآخر " جمال باشا " عند ملك الأفغان ، و لكن أنور كان يختلف عنهما كل الإختلاف .. فأبى إلا أن ينصر إخوانه المسلمين .. و يقود المجاهدين ضد الملاحدة البلاشفة .. و هو يعلم تماما قوة أعدائه .. و خطورة هذا المَهـيَع ، و آثر أن يموت على صهوة جواده .. منتضياً سلاحه .. مقبلاً .. غير مدبر ، لأن الأشجار الشامخة .. الباسقة .. لا تموت إلا و هي واقفة .. ! و قد مات هذا البطل واقفاً .. و أي وقوف .. !
نسأل الله تعالى أن يعفو عنه ، و أن يتجاوز عن أخطائه ، و أن يتقبّله في عداد الشهداء يوم القيامة .. اللهم آمين .
أرجو المعذرة على الإطالة .. و دام الجميع سالمين .

الحمداني - الساحة العربية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق