(1)
لو
استوقفت أحد شباب المسلمين في هذا
العصر ، ثم وجّهت له السؤال التالي :
هل تعرف من هو " مايكل جاكسون " ؟
..
لأجابك
على الفور بأنه مطرب أمريكي مشهور ،
وهو من السود لكنه أجرى عمليات
تجميلية لتغيير لون بشرته إلى اللون
الأبيض ، و يرتدي ملابسا مزركشة وهو
كذا .. و كذا … وقد يترنّم ببعض
أغانيه الشهيرة مزهوّاً بهذه
الثقافة العالية .. ! ..
ولكن
لو وجّهت إليه سؤالاً عن شخص أمريكي
آخر من السود وهو " مالكوم أكس "
، لوجدت علامات الدهشة .. و الإستغراب
تعلو وجهه .. و عندها لن يحير جواباً !
فمن هو
هذا الإنسان المدعو " مالكوم أكس
" الذي يجهله أكثر شباب الأمة
الإسلامية ؟ .. وماذا يهمنا في أمره ؟
..
إن هذه
الشخصية كان لها دور كبير في التاريخ
المعاصر للمسلمين السود في أمريكا ،
وحريّ بنا في هذا المقام أن نعرّفه
للكثير من أبناء المسلمين الذين
يجهلونه ويجهلون واقع إخوانهم
المسلمين السود في أمريكا وما
يعانونه من جهل .. و فقر .. و اضطهاد
شأنهم في ذلك شأن كل أقلية إسلامية في
كل بلدان العالم .. وإلى الله المشتكى
.
و قبل
أن نتحدّث عنه أقول أنه يلزمنا عند
دراسة أي شخصية كانت أن نضعها في
سياقها التاريخي الصحيح لنكوّن
عنها صورة واضحة ، و فهم الظروف
والمقدمات التي أدت إلى بلورة هذه
الشخصية و صياغتها على هذا النحو ، و
من ثمّ إعطاء الحكم الصحيح عليها و
كما لا يخفى بأن .. " الحكم على
الشيء فرع عن تصوّره " .
تاريخ
المسلمين السود في أمريكا :
يبدأ
تاريخ المسلمين السود في أمريكا في
القرن الثامن عشر ميلادي على يد
النخاسين " تجار الرقيق " الذين
يصطادون الأولاد السود من غرب
أفريقيا وجلبهم إلى القارة
الأمريكية للعمل في الحقول و المناجم
التي يملكها السيد الأبيض . و من بين
هؤلاء العبيد - بطبيعة الحال - نسبة
كبيرة من المسلمين ، و كانوا
يتعرّضون في رحلتهم إلى أشد أنواع
الهوان والذل ، بل أن الكثيرين منهم
كان يموت قبل الوصول بسبب المعاملة
الوحشية التي كانوا يتلقّونها في
السفينة .
وقد
صوّر طرفاً من هذه المعاناة أصدق
تصوير الكاتب الزنجي الأمريكي " أليكس
هيلي
" ( الذي اعتنق الإسلام فيما بعد و
لله الحمد و المنة ) في روايته
الشهيرة الرائعة " الجذور " و
التي كانت أكثر الروايات رواجاً في
الولايات المتحدة ردحاً من الزمن .
حيث تحكي عن قرية " جوفيور "
المسلمة في غامبيا ، التي كانت
متمسكة بتعاليم الدين الإسلامي و
الأب " عمرو " و ابنه " كونتا
كونتي " الذي يذهب إلى المسجد ، و
يتعلم القرآن على يد الإمام ، و
أمنيته التي طالما راودته بالحج إلى
بيت الله الحرام . ولكن النخاسين
البيض اختطفوا هذا الابن ولما جاء
الخبر إلى أبيه " عمرو " خرّ
ساجداً لله .. و بكل يقين سلّم أمره
إليه .. ! .. وتبدأ رحلة العذاب لهذا
الشاب في السفينة .. إلى أن يصل إلى
أمريكا ويكون عبداً في " فرجينيا
" لدى أحد الإقطاعيين الذي لم تعرف
الرحمة إلى قلبه طريقاً . فيحاول هذا
الشاب الهروب مراراً ولكن يُقبض عليه
إلى أن عوقب أخيراً ببتر نصف قدمه ! ..
ورغم هذا كله يحافظ هذا الشاب على
هويته ودينه في هذا المجتمع ما أمكنه
ذلك ، ولكن تقادم الزمن .. و مرور
السنين كان في نهاية المطاف كفيلاً
بتضييع هوية أحفاده .
وتستمر
معاناة السود تحت سياط العبودية في
المزارع الأمريكية طوال قرن من
الزمان ، ويتوالي مسلسل هذا الإضطهاد
إلى أن أصدر الرئيس الأمريكي "
أبراهام لنكولن " أمراً بإلغاء
الرق ، الأمر الذي أشعل فتيل الحرب
الأهلية الأمريكية ( 1861 - 1865 م ) بين
ولايات الشمال التي أيدت هذا القرار
، و الولايات الجنوبية التي عارضته .
وانتهت بنصر الشمال على الجنوب و
إقرار إلغاء الرق في عموم الولايات
المتحدة الأمريكية .
إلا أن
هذا لم يكن كافياً لإلغاء ِ فلسفة
التمييز العنصري التي استقرّت في
ذهنية الشريحة الكبرى من المجتمع
الأمريكي ، واعتبارهم السود مواطنين
من الدرجة الثانية .. وأن هناك خطوطاً
حمراء لا يحق لهم تجاوزها سواء في
مجال الوظائف ، أو التعليم ، أو السلم
الإجتماعي ، بل إن موجة من الإرهاب
المنظّم بدأت على يد العديد من
الجماعات المتطرفة مثل جماعة "KKK
" أو " كوكلاكس كلان " وهي حركة
بروتستانتية متطرفة تستمد عقيدتها
من تفوّق الجنس الأبيض وسيادته على
جميع الأعراق ، و تستخدم أساليباً
إرهابية منظمة للبطش بالأقليات عن
طريق الحرق و القتل وكل صنوف الإجرام
التي راح على إثرها الكثير من السود
الأمريكان .
ظهور
مالكوم أكس :
في هذا
المناخ المضطرب الذي يموج بكل صنوف
القهر .. و التمييز العنصري الذي
يتعرّض إليه السود وُلد في عام 1925 في
ولاية نبراسكا شخص اسمه " مالوكم
أكس " لأب كان واعظاً معمدانياً ،
وعندما بلغ الطفل من العمر ست سنوات
قامت جماعة " كوكلاكس كلان "
العنصرية بحرق منزل أبيه .. وأتى رجال
المطافيء ليشاهدوا المنزل وهو يحترق
وهم لا يحركون ساكناً .. ! ..
يقول عن
هذا الموقف في مذكراته : " إن النار
التي حرقت بيت والدي لا زالت تستعر في
نفسي ، والأنكى من ذلك أن والدي كان
يعمل جهده في إعادة بناء البيت
وتأسيس استقلال العائلة الإقتصادي
بينما نحن لسنا إلا .. زنوجاً ! " ..
بعد ذلك
وُجد والده مهشّم الرأس و الجسد تحت
عجلات سيارة ، وكان مالكوم أكس
متيقناً أنها جريمة متعمدة . وبعد
وفاة أبيه ساءت حالة أسرته .. وباتت
تتضوّر جوعاً إلى درجة أن أمه كانت
تغلي نباتات الهندبة التي يختلسها هو
وإخوانه من جانبي الطريق لتسد رمق
الصبية الصغار و إبعاد شبح الموت
جوعاً عنهم .. ! ..
وكان
يحاول الإبقاء على تماسك أسرته بعد
وفاة أبيه ، ولكن الأسرة ما لبثت أن
تفككت بعد أن إلتحق " مالكوم "
إلى معهد للبنين ، يقول في مذكراته :
" كان كل صبي يركلني إلى جانب حتى
تأتي الخادمة فتأخذني ، لقد كانت
طيبة القلب حنونة علي و كنت أتبعها
أنّى ذهبت كالسواقي ! " . ثم انتقل
إلى مدرسة قريبة كان هو فيها الزنجي
الوحيد و بزّ فيها جميع أقرانه مما
أشعر الطلاب بل و الأساتذة بالخوف من
تفوّقه وحدة ذكائه . حينها أعلن أنه
يريد أن يستكمل دراسته في مجال
القانون ، ولكنه فوجيء بأن مهنة
القانون غير موافقة للزنوج بحسب
العرف الإجتماعي السائد آنذاك ! .
وكانت هذه نقطة التحوّل التي غيّرت
مجرى حياته تماماً ، فاتجه إلى طيش
الشباب .. و تجارة المخدرات .. و سرقة
السيارات ، ودخل السجن غير مرة .. إلى
أن ...
(2)
في
الحلقة الأولى تطرقنا إلى عرض موجز
لتاريخ المسلمين السود في أمريكا ، و
إلى نبذة مختصرة عن نشأة " مالكوم
اكس " و معاناته على يد العنصريين
البيض في حداثة سنه والتي تمثّلت في
إحراق منزله و تخاذل المطافيء ، و قتل
أبيه دهساً ، و تعرضه إلى مضايقات
البيض في المدرسة رغم نبوغه و تفوّقه
، و
عندما أراد إستكمال دراسته في مجال
الحقوق صُدم بأن مهنة المحاماة أرقى
من مستوى الزنوج ! . ثم سلوكه بعد هذا
طريق الجريمة ، و دخوله سجن الأحداث
أكثر من مرة ، و بلغ هذا الإضطهاد
مداه عندما ثبتت عليه تهمة السرقة
فحكم القاضي عليه - وكان من العنصريين
البيض - حكماَ مبالغاً فيه بالسجن في
سنة 1946 م .
كل
هذه المعاناة و الإحباطات المتراكمة
التي واجهها في حياته كانت كفيلة بأن
يترسّخ في وجدانه كراهية الإنسان
الأبيض ، و محاولة الإنتقام منه متى
ما سنحت له الفرصة ، فكان لا يفتأ
يردّد : " لا يمكن للأسود
أن يثق بالرجل الأبيض " ! .
و
عندما كان في السجن عكف على القراءة و
المطالعة إلى درجة أنها التهم آلاف
الكتب في شتى صنوف المعرفة ، فأسّس
ثقافة عالية مكّنته من استكمال جوانب
النقص في شخصيته ، وإعادة بنائها مرة
أخرى . و عندما لاحظت إدارة السجن
تحسن أخلاقه قامت بنقله إلى سجن "
كونكورد " الإصلاحي ، و هناك التقى
بأحد أتباع " أليجا محمد " زعيم
حركة " أمة الإسلام " ، ثم عرّفه
بهذه الحركة ، و حاول جذبه إليها لأنه
رأى من مقومات شخصية " مالكوم اكس
" ما لفت إنتباهه ، إذ كان مالكوم
اكس ذا شخصية قوية ، و ثقافة رفيعة ، و
خطيب مفوّه ، فاستطاع اكتسابه إلى
هذه الحركة ، وكان بحق مكسباً لها في
كل المقاييس .
حركة
أمة الإسلام ( Nation Of Islam ) :
لا بد
أولاً من إعطاء نبذة عن هذه الحركة
التي أسمت نفسها بأمة الإسلام كي
تتضح الصورة أكثر . كانت هذه الحركة
في حقيقتها ما هي إلا امتداد طبيعي
لحركات السود النصرانية التي نشأت
كردود أفعال لاضطهاد البيض للسود في
أمريكا ، فكانت تطالب بإلغاء الرق ، و
عندما أُلغي الرق أصبحت تنادي
بالمساواة الإجتماعية .. و نبذ
العنصرية ، إلا أن هذه الحركة قد
تطرّفت في هذه القضية فأصبحت بدورها
حركة عنصرية مقتصرة على السود فقط
ولا تسمح بانضمام غيرهم إليها ! .
وقد بحثت
هذه الحركة عن هويّة معينة تضمن
التفاف السود حولها ، و تضمن في نفس
الوقت تميّز السود عن البيض فلم
يجدوا إلا الإسلام وهو دين أسلافهم
في أمريكا ، فرفعوا شعار " أمة
الإسلام " لإلهاب مشاعر السود
بالعودة إلى جذورهم الأفريقية
الإسلامية . ولكن شتان بين الإسلام
الحقيقي .. و بين أمة الإسلام .. ! ..
و قد أسس
هذه الحركة " والاس . د . فارد "
بائع أقمشة في مدينة ديترويت ، بدأ
عام 1930 م مبشراً بهذه الحركة بين
السود ، و قد اختفى في عام 1934 م في
ظروف غامضة ، إلا أنه قد خلفه في
زعامة هذه الحركة " أليجا محمد "
، و استمر في قيادتها و الدعوة إليها .
و لكن هذه الحركة كانت ترتكز على أسس
عقائدية عنصرية منافية للإسلام رغم
تمسّحها به ، و اتخاذها له كشعار
برّاق ، إذ يكفي أن نعرف أن من بين
مباديء هذه الحركة ما يلي : -
- أن
الإله قد حلّ في " فارد " مؤسس
الحركة ، و أنه المستحق للعبادة و
الدعاء ! .
- أن
أليجا محمد نبي ، فكان يُدعى بلقب "
Massenger " ، فالنبوة لم
تختم بمحمد صلى الله عليه وسلم ، و كل
نبي أتى بلسان قومه وأن أليجا قد أتى
بلسان قومه بوحي من " فارد " ! .
أن
العنصر الأسود أفضل الأعراق و هو
مصدر كل خير ، و أن العنصر الأبيض
وضيع و منحط .. ومصدر لكل الشرور ! .
- الصلاة
عبارة عن قراءة للفاتحة أو آيات أخرى
و دعاء مأثور مع التوجه نحو مكة ،
واستحضار صورة " فارد " في
الأذهان ، و هي خمس مرات في اليوم ! .
- صيام
شهر ديسمبر من كل عام عوضاً عن صوم
رمضان ! .
و إلى
جانب هذا كله فقد حرّمت الحركة على
أتباعها الخمر ، و الزنى ، و التدخين
، و الإختلاط ، و القمار و غير ذلك من
الأمور التي حرمتها الشريعة
الإسلامية .
و كانت
هذه الحركة على درجة عالية من
التخطيط و التنظيم ، فاستطاعت
استقطاب الكثير من السود من النصارى
و المسلمين على حد سواء ، يقول صاحب
كتاب " المسلمون الزنوج في أمريكا
" : تتنامى هذه الحركة بسرعة مذهلة
بين ظهراني الأمة كما تتخذ طابعاً
شعبياً واسعاً . ففي عام 1960 أصبح لدى
المسلمين الزنوج أكثر من تسعة و ستين
مسجداً و فرعاً منتشرة في سبع و عشرين
ولاية من ولايات أمريكا من و لاية
كاليفورنيا حتى فلوريدا ، و تحت
قيادة الحاج محمد ( وهو أليجا محمد )
هذا الزعيم الذي يحظى بالتجلّة
والترحيب من الألوف من أتباعه و الذي
خُلع عليه لقب " الرجل الأسود الذي
يُخاف في أمريكا " . انتهى .
فكان
أليجا محمد يتجول في كل أنحاء أمريكا
يؤلّب السود .. و يحرضهم على المطالبة
بالإستقلال في ولاية تعادل خمس مساحة
أمريكا ، مستغلاً في خطابه مشاعر
القهر الإجتماعي الكامنة في أعماق
السود لذا كان يحظى باستجابة نسبة
كبيرة جداً منهم ، و من بين هؤلاء
الذين استجابوا إليه صاحبنا "
مالكوم اكس " التي وافقت أفكار هذه
الحركة هوىً في نفسه .. و أفكاراً
تؤرّق ذهنه .
مالكوم
اكس في أمة الإسلام :
إنخرط
مالكوم اكس في هذه الحركة مدفوعاً -
كغيره من السود الذين انضموا إليها -
تحت وطأة مشاعر الظلم والقهر التي
تعرّض إليها في بواكير حياته وأثّرت
في كيانه و تفكيره ، فتحمّس لأفكار
هذه الحركة و التحق بها بعد خروجه من
السجن عام 1952 م ، و بذل لها كل ملكاته
.. و منحها كل مواهبه و خبراته حتى
ترقّى بسرعة في هيكلها التنظيمي
فعُيّن إماماً للمسجد ( ويسمى المعبد
أيضاً ! ) رقم 11 في بوسطن ، ثم رقم 12 في
فيلادلفيا ، ثم إماماُ للمسجد رقم 7
في نيويورك . و كان ساعداً لا يملّ ..
وذراعاً لا تكلّ من النشاط و
العنفوان ، و كان يسحر ألباب الناس
بخطبه البليغة التي تفيض بلاغة
وثقافة ، و بكتاباته القوية المؤثرة
التي انتشرت في كل أنحاء أمريكا ،
واستطاع اجتذاب الكثيرين إلى هذه
الحركة بتأثير شخصيته الكارزمية
وأنشطته الحركية الدؤوبة و منهم
الملاكم الشهير " محمد علي كلاي
" ، و سرعان ما أصبح مالكوم اكس
الرجل الثاني بعد أليجا محمد بكل
كفاءة و اقتدار ، فأصبح مندوبه و
الممثل عنه في العديد من المحافل و
الأنشطة ، و زار العديد من البلدان
الإسلامية عام 1959 لتوضيح قضية
المسلمين السود ومعاناتهم في أمريكا
.
مالكوم
أكس في الحج :
سافر
مالكوم اكس لتأدية فريضة الحج عام 1963
م ، و سأورد نصوصاً كاملة من رسالته
الشهيرة التي أوضح فيها لأحد أصدقائه
ما حصل له في رحلة الحج ، و كذلك
الإشادة بالحفاوة التي قوبل بها من
الحكومة السعودية حفظها الله . كانت
رحلته في الطائرة من مصر إلى جدة و
عند الوصول إلى مطارها حصلت له بعض
المفارقات و المواقف ، فعندما كان في
أحد غرف المطار فصادف وجود بعض
المسلمين المستلقين على الأرض و قد
أخذه مرافقه إلى زاوية من زوايا هذه
الغرفة فقال له : سأعلّمك كيفية
الصلاة الصحيحة ! يقول مالكوم عن هذا
الموقف : " ولك أن تتخيّل كيف
أنني و انا المسئول الديني عن أحد
المساجد ، و أحد القادة في جماعة أمة
الإسلام التي يتزعمها أليجا محمد ،
ومع ذلك لا أعرف كيف أؤدي شعائر
الصلاة "
! ، و يذكر كذلك محاولته بأن يطوّع
كاحله الذي لم يتعود على الصلاة ..
وأنه ظل طوال الليل يتعلم الصلاة وفق
صورتها الصحيحة .. !
و يقول
بأنه عندما كان في المطار خطر له بأن
يتصل بالدكتور : عمر عزام ، وهو نجل
الدكتور : عبدالرحمن عزام أمين عام
الجامعة العربية آنذاك ، و قد أعطاه
رقمه أحد زملائه المصريين وهو
الدكتور : محمود الشواربي ( و كان يعمل
مستشاراً في الأمم المتحدة ، و يحاضر
عن الإسلام ، و من يعتنق الإسلام في
أمريكا لا يحج إلا بموافقة خطية منه )
. فاتصل به لأنه قد علم بأنه مقيم في
جدة ، فحضر إلى المطار و استقبله بكل
حفاوة ، ثم أخذه إلى بيته ، و فاجأه
الترحيب الحار الذي لقيه من أبيه و
الآخرين ، و كان يستغرب هذه العاطفة
تجاهه مع أنهم بيض و هو أسود ! .. يقول :
" كلهم كانوا
مستيقظين في ذلك الوقت المبكر في
انتظاري . وقد عانقني كل منهم كما لو
كنت طفلاً عاد إليهم بعد غياب .. لم
يسبق لي أن شاهدت أحداً من هؤلاء
الرجال من قبل ، و مع ذلك يعاملونني
هذه المعاملة الكريمة ! و لا بد أن
أقول لك أنني لم أحظ من قبل بمثل هذه
الحفاوة و التكريم طوال حياتي ، كما
لم أنعم مطلقاً بمثل هذا الكرم
الحقيقي
" .
و عندما
مثُـل أمام المحكمة الشرعية
لإستصدار ترخيص بالسماح له بالحج ،
كان القاضي حينها هو الشيخ : محمد
الحركان ، فوجّه إليه عدة أسئلة عن
صدق إسلامه ، و عندما أجابه كأنه لم
يكتف بأجوبته فأعطاه كتابين عن
الإسلام أحدهما بالعربية ، و الآخر
بالإنجليزية و سجل اسمه في قائمة
المسلمين ، ثم قال له : " آمل أن
تكون داعياً عظيماً للإسلام في
أمريكا " . و رد مالكوم قائلاً : " إنني
أشاركك هذا الدعاء " .
ثم توجّه
تلقاء البيت الحرام بعد أن أحرم ، و
دخل الحرم ... و لندعه يصف ما حصل له ،
يقول : " وحملت صندلي و سرت
خلف المطوّف ، ثم وقع بصري على الكعبة
.. بناء حجري أسود ضخم وسط المسجد
الحرام ، كان يطوف حوله ألوف تلو ألوف
من الحجاج الداعين نساءً و رجالاً ، و
من كل حجم و شكل و لون و عنصر في
العالم
" .
و يردف
قائلاً : " كان شعوري و أنا في
بيت الله الحرام كمن يسري في جسده خدر
. وقادني مطوّفي وسط زحام الحجيج
الذين يتضرّعون إلى ربهم ، و يترنمون
بالدعاء و هم يطوفون سبعة أشواط حول
الكعبة . كان بعضم قد انحنى عوده ووهن
عظمه لكبر سنه .. إنه منظر ينطبع في
الذهن و لا يفارقه . رأيت حجاجاً
أصابهم الوهن و الضعف يحملهم أشخاص
آخرون .. كانت الوجوه مفعمة بالبهجة
الغامرة بإيمانها " .
إلا أن
الأمر الأكثر تأثيراً في نفسيته
العنصرية .. و تفكيره العرقي هو
المساواة التي رآها في الحج بين كافة
الأعراق .. و الأجناس ، فقد كان الأسود
يحج بجانب الأبيض .. يلبسون ثياباً
واحدة .. و يطوفون حول كعبة واحدة ..
مرددين بصوت واحد " لبيك اللهم
لبيك .. لبيك لا شريك لك لبيك ".. لا
يتميّز أحدٌ عن أحدٍ إلا بميزان
بالتقوى " إن أكرمكم عند الله
أتقاكم " ( الحجرات 13 ) .. يقول : " كان هناك
عشرات الألوف من الحجاج قدموا من كل
أنحاء العالم ، و هم من كل الألوان
ابتداء من الشقر ذوي العيون الزرقاء
إلى الأفريقيين ذوي البشرة السوداء ..
ولكننا جميعاً نؤدي المناسك نفسها ،
بروح من الوحدة و الإخوة ، ما كنت أظن
- بحكم خبراتي في أمريكا - أنها يمكن
أن تنشأ بين البيض و غير البيض " .
و يقول
أيضاً : " إن أمريكا في حاجة
إلى أن تفهم الإسلام ؛ لأنه هو الدين
الوحيد الذي يمكن أن يمحو المشكلة
العنصرية من مجتمعها .. لقد تقابلت
خلال رحلاتي في العالم الإسلامي مع
أناس يعدونهم في أمريكا من البيض ،
وتحدثت معهم .. بل تناولت الطعام معهم
.. ولكن النزعة البيضاء محاها من
أذهانهم دين الإسلام ، و ما شهدت قط
من قبل أخوّة خالصة و صادقة كتلك
الأخوّة التي يمارسها الناس هنا من
كل جنس بغض النظر عن لون بشرتهم " ..
و يضيف
قائلاً و مستغرباً من هذه الأخوة و
المساواة بين المسلمين التي أرسى
دعائمها هذا الدين الحنيف : " إنني طوال
الأيام الأحد عشر الماضية التي
أمضيتها هنا في العالم الإسلامي كنت
آكل مع إخواني المسلمين من الطبق
نفسه ، و أشرب معهم من الكأس نفسها ، و
أنام معهم على السجادة نفسها ، بينما
نصلي كلنا لإله واحد ، مع إخوة مسلمين
لهم أعين زرقاء كأصفى ما تكون الزرقة
، ولهم شعور شقراء شديدة الشقرة ، و
لهم بشرة بيضاء كأنصع ما يكون البياض
.. ولكنني كنت ألمس في أقوال المسلمين
البيض و في أفعالهم و في سلوكهم
الإخلاص نفسه الذي ألمسه بين
المسلمين السود من نيجيريا و السودان
و غانا
" .
مالكوم
أكس يعود إلى أمريكا :
بعد أن
رأى مالكوم أكس حقيقة الإسلام و
تعرّف عليه عن كثب ، و علم ضلال ذلك
المذهب العنصري الذي كان يعتنقه كان
لا بد لأمثاله ممن حازوا الكثير من
فضائل الخلق .. ونبل السجايا بأن
يصدعوا بهذا الحق الذي لاح لهم سنا
أنواره .. و يعترفوا بخطأ ما كانوا
يسعون لأجله من عنصرية بغيضة .. و
عرقية دنيئة تصنّف الناس على حسب لون
بشرتهم التي لم يكن لهم يد في
اختيارها ، فأطلق على نفسه إسم الحاج
" مالك شباز " ، وبدأ عملية
تصحيح لمفاهيم جماعة أمة الإسلام
الضالة إلا أنه قوبل بالعداء من
الحركة لأنه سيضعف من الكراهية
الديناميكية الكامنة في نفوس الزنوج
و التي تعتبر بدورها المصدر الحقيقي
لقوة الحركة و شريانها في الحياة ؛
فكان لا بد من القضاء على هذا الفكر
الخطير الذي بدأ يغزو الحركة ثم ساءت
العلاقة بينه و بين مؤسس الحركة
أليجا محمد الذي قلب له ظهر المجنّ ..
وبدأت مضايقاته و تهديداته له .. إلا
أن هذا لم يفتّ في عضد مالك شباز (
مالكوم اكس سابقاً ) ، و لم يتأثر
بتهديداتهم .. فكان يسير في طريقه على
خطى واضحة .. راسخة .. و يوضح أن
الإسلام الحقيقي ليس حركة عنصرية
تفضّل السود على البيض أو العكس .. بل
هو دين قضى على كل أشكال العنصرية و
حاربها بلا هوادة ، و لكن عقارب الحقد
.. و خفافيش الظلام ما كان لها أن
يستقر قرارها و هي تعلم من هو مالكوم
اكس .. و ما هو أثر شخصيته الفذة في
الجماهير .. و عزيمته التي لن تلين في
توضيح حقيقة الإسلام المشرقة .. و
إماطة اللثام عن وجهه الجميل ،
فاستخدمت أخس وسيلة يُسكت بها صاحب
الفكر الحر ؛ ففي الساعة الثالثة و
عشر دقائق بعد الظهر من يوم 21 فبراير
لعام 1965 م ، و في اجتماع حاشد و بعد أن
بدأ خطابه بقليل أُطلق عليه النار
عدة مرات .. فارق على إثرها الحياة في
المستشفى .. لتُطوى هذه الصفحة
المشرقة من تاريخ إخواننا المسلمين
السود في أمريكا و التي تعتبر ملحمة
في حد ذاتها .. ملحمة أشبه بسفينة في
بحر متلاطم يموج بمشاعر القهر .. و
الإضطهاد .. و الإنحراف .. و الضلال .. و
انتهت اخيراً إلى ضفاف الحنيفية
السمحة .. و عندها كان الختام .. و لنعم
الختام .. نسأل الله تعالى أن يتقبله
في عداد الشهداء يوم القيامة .
إن
تأثير مالك شباز لم يتوقف عند موته
كما أراد المُـبطلون .. بل في الحقيقة
ابتدأ من عند موته و بدأ المسلمون
السود في أمريكا بالإقتراب شيئاً
فشيئاً من الإسلام الصحيح .. و بدأت
سحب العنصرية الكالحة تنجاب
تدريجياً من ذهنياتهم ، و الفضل يعود
بعد الله جل وعلا إلى جهود هذا البطل
" مالك شباز " رحمه الله تعالى .
بعد
هذا كله .. وعوداً على بدء .. و عنوان
هذا الموضوع وهو : " بين مايكل
جاكسون .. و مالكوم اكس " ألا يحق
لنا أن تتـفطّر قلوبنا حزناً عندما
يجهل هذا البطل المسلم الأغلبية
الساحقة من شباب المسلمين .. بينما هم
يعرفون .. و يفتخرون بمعرفة هذا
الساقط المدعو " مايكل جاكسون "
.. و يفتخرون بهذه الثقافة رغم أنهما
أسودان .. و من أمريكا ؟؟؟ .. أنتظر
جواب شباب الأمة التائه .. أسأل الله
سبحانه و تعالى لشباب الأمة الهداية
إلى طريق الحق .. و التمسك به .. اللهم
آمين .. اللهم آمين .
أرجو
المعذرة على الإطالة .. و لنا لقاء
قادم مع شخصية أخرى من الشخصيات
المسلمة التي يجهلها أكثر شباب
المسلمين في هذا العصر .. هذا و دمتم
سالمين ..
الحمداني - الساحة العربية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق