أوراق متناثرة في تاريخ
الصحافة الإسلامية .. " مجلة الفتح " .
مبارك القحطاني
تعرّضت مصر في مطلع القرن العشرين ميلادي
إلى شلاّل هادر من قوى الغزو الفكري المدمّر ، يمارس العبث بثوابت الأمّة
الإسلامية و تخريب قيَمِها الأصيلة مشمولاً برعاية الإستعمار الإنجليزي الجاثم على
أرض الكنانة آنذاك ، والذي كانت تلوذ به و تنضوي تحت جناحه هذه القوى المخرّبة .
و لقد بلغ هذا المدّ الطامي مداه حينما أصدر
" طه حسين " كتابه : " الشعر الجاهلي " الذي شكّك في وجود
إبراهيم و إسماعيل عليهما السلام رغم ذكرهما في القرآن الكريم ، و كذلك كتاب الشيخ
" علي عبدالرازق " الموسوم بـ " الإسلام و أصول الحكم " الذي
أنكر فيه وجود نظام سياسي في الإسلام ، و ادّعى بأنّ الإسلام دين روحي فقط و لا
يختلف في هذا السبيل عن النصرانية ، ليوفّر بذلك تبريراً " شرعيّا ً"
يهوّن على المسلمين مصيبة إلغاء الكماليّين للخلافة الإسلامية ، و تحويلها إلى
دولة علمانية.
في مواجهة هذا البحر المائج المتلاطم من
الغارات الوقحة على مسلّمات الأمة و ثوابتها ، انبعثت صرخات مخلصة تذبّ عن دينها و
هويّتها ، إلاّ أنها كانت أصواتاً مبحوحة و مشتـّـتـة تفتقد عوامل الترابط و
التنظيم ، فضاعت أصداؤها في خضمّ هدير أمواج التغريب و الغزو الفكري الصاخبة . و
في عام 1926 التقى مجموعّة من الشباب المسلم المتحمّس في دار المطبعة السلفية في
شارع خيرت في القاهرة ، منهم : محب الدين الخطيب ، و أحمد تيمور باشا ، و أبو بكر
يحيى باشا ، و عبدالرحمن قراعة ، و السيّد محمد الخضر حسين ، و علي جلال الحسيني ،
و غيرهم من الشباب المسلم الذي ذهبت نفسه حسرات على ما آل إليه الحال في أرض
الكنانة من عدوان سافر على ثوابت الأمة و هويّتها العربية الإسلامية ، و آلمه
الضعف الذي اعترى المسلمين فمنعهم من الدفاع عن دينهم . فتمخّض هذا الإجتماع عن
إنشاء جمعية لمقاومة هذه الإنحرافات و مجالدة المفسدين بالحجة و البيان .
و بعد إنشائها بأشهر بدا لهم أن الجمعية
بحاجة إلى صحيفة تعبّر عن رأي هذه الجمعية ، و تساهم في توصيل أفكارها لأكبر شريحة من الرأي
العام و لا سيّما الشباب المثقف المسلم . لكن الحصول على إمتياز صحيفة إسلامية في
ظل تلك الظروف كان أشبه بالمستحيل ، بيد أن الأستاذ الجليل " أحمد تيمور باشا
" رحمه الله بذل جهوداً طيبة و مشكورة لا ستصدار امتياز مجلّة ، فوُفّق في
هذا السبيل ، و أصدرت تلك المجموعة مجلّة أُطلِق عليها اسم : " الفتح "
، و صدر أوّل عددٍِ منها في يوم 29 ذي القعدة من عام 1344 هـ ، الموافق 10 يونيو
1926 م ، و تسلّم رئاسة التحرير فيها الشيخ الأزهري عبدالباقي سرور ، ثم بعد ذلك
تولى دفّتها الأستاذ محب الدين الخطيب رحمهما الله حتى إغلاقها .
و كانت المجلّة في موضوعاتها و مادّتها
الإعلامية سيفاً مصلتاً في نحور دعاة الغزو الفكري و التغريب و التنصير و
الإستشراق ، هذا إلى جانب اهتمامها بأحوال المسلمين في كل مكان ، فسدّت بذلك ثغرةً
كبيرةً رغم إمكانياتها المتواضعة ، و ضيق هامش الحرية الممنوح لها .
فكانت مجلة " الفتح " بحق منبراً
حراً أصيلاً لا نظير له ، بفضل الروّاد و العمالقة من أمثال : أحمد محمد شاكر ، و
أخيه : محمود ، و شكيب أرسلان ، و مصطفى صادق الرافعي ، و شيخ الإسلام في الدولة
العثمانية : مصطفى صبري ، و محمد الخضر حسين ، و علي الطنطاوي ، و تقي الدين
الهلالي ، و غيرهم ممن طرّزوا حواشي هذه المجلة بإبداعاتهم ، و آثارهم القيّمة .
المجلة و التغريب و الغزو الفكري :
تولّت المجلة مهمّة الردّ على " طه
حسين " بعد إصداره كتابه " الشعر الجاهلي " الذي تضمّن جرأة كبيرة
على القرآن الكريم ، و أشعل بكتابه هذا فتيل المواجهة بين طه حسين و حزبه التغريبي
و بين العلماء و الدعاة ، فانبرى له العديد من كُتّاب " الفتح " و
فنّدوا شبهاته و آرائه الخطيرة أمثال : عبدالرزاق الحسني ، و عبدالباقي سرور ، و
غيرهم ، و عن هذه المعركة تقول المجلة مشيرةً إلى مصدر أفكار طه حسين : " ما
في الكتاب من مسألة إبراهيم و إسماعيل مسروق من كلام جهلة المبشرين كصاحب مقالة في
الإسلام ، و ما ذكر عن الشعر الجاهلي مسروق من متعصّبة المستشرقين لمرجليوث ،
فالفكرة على سخافتها ليست له في الموضعين . " ا هـ . و تابعت المجلة تطوّرات
قضية طه حسين في المحاكم المصرية ، و محاضر التحقيق و الإستجواب ، و ما صدر بحقه
من أحكام .
و إلى جانب الرد على طه حسين تصدّت المجلّة
إلى افتراءات و هجمات دعاة التغريب في مصر ، أمثال : أحمد لطفي السيد ، و سلامة
موسى ، و توفيق الحكيم ، و حسين فوزي ، و ميشيل عفلق ، و محمود عزمي ، و إسماعيل
أحمد أدهم ، و غيرهم .
و مما يجب أن يُذكر في هذا المقام أن مجلة
الفتح قد أحرزت قصب السبق في كشف حقيقة الحركة الماسونية في وقت كان الغموض يلفّها
و يسدل حولها ستاراً كثيفاً من التعتيم و التزييف ، إذ تقول المجلة : " إن جل
نبغاء المسلمين المستورين كانوا يدينون بالماسونية أكثر مما يتظاهرون بالإسلام ، و
الماسونية بُنيت قواعدها على صرح سليمان لأنها ظاهراً إنسانية و باطناً صهيونية
محضة ، و الدليل على ذلك أنها اليوم لم تتظاهر بعاطفة نحو ضحايا اليهود ، و إنما
تظهر الجمود و تعمل سرّاً لقمع التعصّب الإسلامي ابتغاء حماية اليهود ، فكان
المسلمون يخافون من كلمة التخويف ( التعصب الإسلامي ) التي كان يلقيها الأوروبيون
لإرهاب العالم فلذلك اجتنبوا كل سعي شريف إرضاء للأجانب " ا هـ .
المجلة و الفرق الضالة المنتسبة للإسلام :
لقد اضطـلعت المجلة منذ أعدادها الأولى في
الردّ على الفرق الباطنية المنتسبة للإسلام ، و كشف النقاب عن جذورها الفكرية و
العقائدية ، تقول المجلة في مجلدها الأول : " هذه النحلة من ولائد الباطنية
تغذّت من ديانات و آراء فلسفية و نزعات سياسية ، ثم اخترعت لنفسها صورة من الباطل
و خرجت تزعم أنها وحي سماوي ، تقوم دعوة الباطنية على إبطال الشريعة الإسلامية ، أصلها
طائفة من المجوس راموا عند شوكة الإسلام بتأويل الشريعة على وجوه تعود إلى قواعد
أسلافهم ، و قالوا لا سبيل إلى دفع المسلمين بالسيف لغلبتهم و استيلائهم على
الممالك و لكننا نحتال بتأويل شرائعهم إلى ما يعود إلى قواعدنا و يستدرج الضعفاء
منهم ، فإن ذلك يوجب اختلافهم و اضطراب كلمتهم " . ا هـ . و ركّزت المجلة في
هذا السياق على طائفة القاديانية الخبيثة التي انتشرت في القارة الهندية و بدأت
تغزو العالم الإسلامي ، فقالت المجلة : " ادّعى ميرزا غلام أحمد النبوة و أنه
هو المسيح الموعود ، و بعد أن ادعى النبوة و أنه أوحي إليه من الله تعالى بدأ يدعو
الناس لاتباعه ، فلم يعدم أنصاراً بسبب الجهل من جهة و بفضل أولياء أمره و أمر
تابعيه من جهة ثانية ، و قد تمكن من إيجاد جماعة سماها " الأحمدية "
يقولون باستمرار النبوة غير التشريعية ، و بعدم انقطاع الوحي " . ا هـ .
و كتب الأستاذ : مسعود الندوي " رحمه
الله من لكنو بالهند مقالات أوضح فيها الفرق بين الأحمدية و القاديانية ، و خطورة
كلٍ منهما على الإسلام .
و كذلك حذّرت من خطر فرقة التيجانية التي
تتظاهر بالتصوّف و الزهد ، و نبّهت إلى خطورة انتشارها في بلدان المغرب العربي ،
لكونها تمنح الولاء للإستعمار الفرنسي ، و توطّد أركانه في تلك البلاد ، إذ تقول :
" إن صاحب السجادة الكبرى ألقى خطاباً بين يدي الكونترول سيكلوني الفرنسي ،
تحدّث فيها عن الخدمات الجليلة التي قامت بها الطائغة التيجانية لفرنسا في توطيد
الإستعمار الفرنسي و في سبيل تسهي مهمة الإحتلال على الفرنسيين ، و في إشارات
التعقّل التي كانت تسبّبها هذه الطريقة الصوفية لمريديها " اهـ .
مجلة الفتح و قضايا التربية و التعليم :
كان من الطبيعي أن تهتم مجلة الفتح بقضية
التربية و التعليم ، و أن توليها ما تستحقّه من اهتمام ، لا سيما و قد أدرك
الغيورون في مصر خطر البرنامج الدنلوبي الذي زرعته بريطانيا في قلب وزارة التعليم
المصرية ، فقام " دنلوب " الخبير الإنجليزي بصياغة المناهج التربوية وفق
الرؤية الغربية التي تتوافق مع سياسات بريطانيا تحت حجة تطوير المناهج ، فقالت
المجلة محذرةً من خطورة هذا البرنامج على النشء في مصر : " إن الطريقة
الدنلوبية علّمت شباب مصر أن العروبة و الإسلام شيء أجنبي طرأ على مصر و احتلّتها
كاحتلال الفرس و البطالسة و الرومان و الانجليز ، مع أن العروبة و الإسلام هما روح
مصر و كيان مصر ، بل هما مصر منذ نحو أربعة و عشرين قرناً إلى الآن " ، ثم
تقول : " إن التعليم الدانلوبي في المدارس أهمل آداب الإسلام و تاريخ الإسلام
و أمجاد الإسلام فخرج لنا أبناء محرومين من سلاح الفضائل الإسلامية ، و في التعليم
يجب أن نبني في الشباب المصري الإعتماد على النفس في حياته الإستقلالية و
الإقتصادية ، و الإعزاز بتاريخه القريب الذي تكوّنت به قوميّته الحاضرة منذ أربعة
عشر قرناً " . ا هـ .
و كشفت المجلة النقاب عن الدور التخريبي
الذي تلعبه الجامعة الأمريكية في القاهرة في أكثر من عدد ، من ذلك ما قام به أحد
الطلبة فيها من كشف للمراجع التي التي يرشد أستذتها الطلاب إلى قراءتها ، و من
بينها كتاب خبيث مليء بالطعن و التطاول على مقام النبي صلى الله عليه و سلم .
نهاية المجلة :
استمرت مجلة الفتح في مسيرتها الميمونة حتى
عام 1366 هـ ، الموافق 1948 م ، و كان سبب توقّفها هو موجة التضييق على العمل
الإسلامي التي سادت مصر بعد هزيمة 1948 أمام اليهود ، فنال مجلة الفتح ما نال
غيرها من الأذى و الإغلاق و المصادرة ، و جفّ مدادها بعد اثنين و عشرين عاماً من
الجهاد الثقافي المتميّز الذي لا نجد وصفاً له أفضل و أصدق من وصف الأستاذ "
مصطفى السباعي " رحمه الله ، إذ قال : " و ما كنا نتصل بالفتح حتى بدأنا
نعرف واجبنا في الحياة كشبّان مسلمين ، و أخذنا ندرك خطر ما يبيته الإستعمار من
وسائل الكيد للمسلمين ، و تأجّجت في أفئدتنا نار الحمية لدين الله ، و النقمة على
أعدائه ، و شعرنا بأن الفتح هو همزة الوصل بيننا و بين أقطار الإسلام " . ا
هـ .
المراجع :
1 - " تاريخ الصحافة الإسلامية "
، أنور الجندي رحمه الله ، القاهرة ، توزيع دار الأنصار .
2 - " الأعلام " ، خير الدين
الزركلي ، بيروت ، دار العلم للملايين ، 1989 .
3 - " اتجاهات الفكر الإسلامي المعاصر
" ، د . حمد بن صادق الجمال ، الرياض ، عالم الكتب ، 1994.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق