" وأين تقَعُ لَذَّة البهيمة بالعَلُوفة، ولذَّة السبع بلَطْع
الدَّمِ وأكل اللحم - مِن سرورِ الظَّفَر
بالأعداء؟ ومِنِ انفتاحِ بابِ العلم بعد إدْمان القَرْع؟ "
الجاحظ
***
أوردَ "
الثعالبي " في كتابهِ " ثمار القلوب " أنّ " هبنّقةَ " ضلّ لهُ بعيرٌ ؛ فأخذَ ينادي
: مَن وجدَ بعيري فهوَ له !
فقيلَ
لهُ : فلمَ تنشُدهُ ؟
قال :
فأينَ حلاوةُ الوجدان ؟! ( 1 )
هذا
الجوابُ " الهبنّقي " رغمَ طرافتهِ و غبائهِ ، ينطوي على حقيقةٍ نفسيّةٍ مهمّةٍ ؛
فالإنسانُ بطبيعتِهِ يأخذهُ الفرحُ كلّ مأخذٍ عند العثور ِ على ضالّتهِ بعد أن
ضيّعَها ، و بذلَ الوسعَ في سبيل ِ تحصيلِها ، و لا يدركُ هذهِ الحقيقةَ النّفسيّةَ
إلاّ من عثرَ على مقصودهِ بعدَ لأي ٍ و جهدٍ جَهيدٍ ، و لا إخالُ أحداً يخالفُني
أنّ النّاسَ طراً قَد تلمّظوا بتلكَ الحلاوة .
و إذا
كانَ النّاسُ يشتركونَ في تلكَ الحلاوةِ ، فإنّهم في أسْبابِها طرائق قـِددا ؛
فهناكَ من يفرحُ للذّاتٍ حسّيةٍ كالعثور ِ على طريدةٍ دنيويّةٍ من وصال ِ امرأةٍ أو
تحصيل ِ مال ٍ أو نيل ِ جاهٍ و سلطان ، و هناكَ مَن يفرحُ لتحصيل ِ لذّاتٍ معنويّةٍ
تسمو بفكرهِ و نفسِهِ و تدفعُها صعداً في مدارج ِ الكمَالات ِ النّفسيّة ، و هـُنا
التّفاوتُ و ها هُنا بيتُ القصيدِ ، يقول العلاّمةُ " ابنُ القيّم " رحمَه الله "
النفوس ثلاثة : نفس سماوية علوية، فمحبتها منصرفة إلى المعارف واكتساب الفضائل
والكمالات الممكنة للإنسان واجتناب الرذائل ، وهي مشغوفة بما يقربها من الرفيق
الأعلى ، وذلك قوتها وغذاؤها ودواؤها، فاشتغالها بغيره هو داؤها.
ونفس
سبعية غضبية ، فمحبتها منصرفة إلى القهر والبغي والعلو في الأرض والتكبر والرئاسة
على الناس بالباطل ، فلذتها في ذلك وشغفها به .
ونفس
حيوانية شهوانية ، فمحبتها منصرفة إلى المأكل والمشرب والمنكح وربما جمعت الأمرين
فانصرفت محبتها إلى العلو في الأرض " . اهـ ، " ( 2 )
و
النّفوس السّماويةُ العلويّةُ تسموُ على اللذّاتِ الدّنيويّةِ و سبُلِها ، و لا
تأنسُ إلاّ بالعلم ِ ، و لا تلتذّ إلا بالمعرفةِ المؤدّيةِ إلى نيل ِ مرضاةِ اللهِ
تعالى ، و تحقيق ِ العبوديّةِ لهُ ؛ لذا فإنّكَ تجدُ أهلَ العلم ِ يلهجونَ في
كتبِهم بالتّعبير ِ عن هذهِ اللذّاتِ ، و يُبدونَ تحسّرَهُم على حرمان ِ النّاس ِ
منها ، يقول " اللكنوي " في كتابِهِ " الفوائد البهيّة في تراجم الحنفية " أنّ
القاضي " أبا جعفر النّسفي " رحمَهُ الله ، " و كانَ من أعيان ِ الفقهاء ، ...
يُحكى أنّه باتَ ليلةً مهموماً ، من ضيق البال ِ و سوءِ الحال و كثرةِ العيال ِ ،
فوقعَ في خاطرهِ فرعٌ من فروع ِ مذهبِهِ ، فأعجبَ به ، فقامَ يرقصُ في دارهِ و يقول
: أينَ الملوكُ و أبناءُ الملوك ِ ؟ فسألتُْه زوجتُه ، فأخبرها ، فتعجّبت ! " ا
هـ . ( 3 )
و كانَ
الإمام الجليل " محمّد بن الحسن الشّيباني " إذا انحلّتْ له مشكلاتُ العلوم ِ ، قال
: أين أبناءُ الملوك ِ من هذهِ اللّذّة ؟! " . ( 4 )
أمّـا
الإمامُ " الزّمخشريّ " فقد عبّر عن تلكَ الحقيقةِ أجملَ تعبير ٍ و ذلكَ بأبياتٍ
رائقةٍ سارتَ بها الرّكبان ، إذ يقول :
سَهَري لتنقيح العلوم ألذُّ لي *** من وَصْل غانيةٍ وطِيبِ عناق ِ
وتمايلي طرباً لحل عويصة *** في الدرس أشهى من مدامة ساقي
وألذُّ من نقر الفتاة لدُفِّها *** نقري لألقي الرمل عن أوراقِ
وأَبِيتَ سهران الدُّجى وتبيته *** نوماً وتبغي بعد ذاك لحاقي
هذا ما
جادَ بهِ قلمٌ متواضع ٍ ، وذهنٌ كليلٌ ، جعلَنا اللهُ و إيّاكُم ممّن لا يأنسُ إلاّ
بالعلم ِو المعرفة ِ النّافعة .
------------------------
( 1 ) "
ثمار القلوب في المضاف و المنسوب " ، ص 144 .
( 2 ) "
روضة المحبين " ، ص 259 .
( 3 )
انظر : " صفحات من صبر العلماء " ، ص 358 .
( 4 )
انظر : كشف الظنون " ، ص 19، و كذلك " أبجد العلوم " ص 100 .
أخوكم الواثق بنصر
الله
أنــــــــــــــور
بـــــــاشــــــا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق