الأربعاء، 5 مارس 2014

الإرتقاء باللذات !

" وأين تقَعُ لَذَّة البهيمة بالعَلُوفة، ولذَّة السبع بلَطْع الدَّمِ وأكل اللحم - مِن سرورِ الظَّفَر
بالأعداء؟ ومِنِ انفتاحِ بابِ العلم بعد إدْمان القَرْع؟ "
الجاحظ
***
أوردَ " الثعالبي " في كتابهِ " ثمار القلوب " أنّ " هبنّقةَ " ضلّ لهُ بعيرٌ ؛ فأخذَ ينادي : مَن وجدَ بعيري فهوَ له !
فقيلَ لهُ : فلمَ تنشُدهُ ؟
قال : فأينَ حلاوةُ الوجدان ؟! ( 1 )
هذا  الجوابُ " الهبنّقي " رغمَ طرافتهِ و غبائهِ ، ينطوي على حقيقةٍ نفسيّةٍ مهمّةٍ ؛ فالإنسانُ بطبيعتِهِ يأخذهُ الفرحُ كلّ مأخذٍ عند العثور ِ على ضالّتهِ بعد أن ضيّعَها ، و بذلَ الوسعَ في سبيل ِ تحصيلِها ، و لا يدركُ هذهِ الحقيقةَ النّفسيّةَ إلاّ من عثرَ على مقصودهِ بعدَ لأي ٍ و جهدٍ جَهيدٍ ، و لا إخالُ أحداً يخالفُني أنّ النّاسَ طراً قَد تلمّظوا بتلكَ الحلاوة .
و إذا كانَ النّاسُ يشتركونَ في  تلكَ الحلاوةِ ، فإنّهم في أسْبابِها طرائق قـِددا ؛ فهناكَ من يفرحُ للذّاتٍ حسّيةٍ كالعثور ِ على طريدةٍ دنيويّةٍ من وصال ِ امرأةٍ أو تحصيل ِ مال ٍ أو نيل ِ جاهٍ و سلطان ، و هناكَ مَن يفرحُ لتحصيل ِ لذّاتٍ معنويّةٍ تسمو بفكرهِ و نفسِهِ و تدفعُها صعداً في مدارج ِ الكمَالات ِ النّفسيّة ، و هـُنا التّفاوتُ و ها هُنا بيتُ القصيدِ ، يقول العلاّمةُ " ابنُ القيّم " رحمَه الله  " النفوس ثلاثة : نفس سماوية علوية، فمحبتها منصرفة إلى المعارف واكتساب الفضائل والكمالات الممكنة للإنسان واجتناب الرذائل ، وهي مشغوفة بما يقربها من الرفيق الأعلى ، وذلك قوتها وغذاؤها ودواؤها، فاشتغالها بغيره هو داؤها.
ونفس سبعية غضبية ، فمحبتها منصرفة إلى القهر والبغي والعلو في الأرض والتكبر والرئاسة على الناس بالباطل ، فلذتها في ذلك وشغفها به .
ونفس حيوانية شهوانية ، فمحبتها منصرفة إلى المأكل والمشرب والمنكح وربما جمعت الأمرين فانصرفت محبتها إلى العلو في الأرض " . اهـ ، " ( 2 )
و النّفوس السّماويةُ العلويّةُ تسموُ على اللذّاتِ الدّنيويّةِ و سبُلِها ، و لا تأنسُ إلاّ بالعلم ِ ، و لا تلتذّ إلا بالمعرفةِ المؤدّيةِ إلى نيل ِ مرضاةِ اللهِ تعالى  ، و تحقيق ِ العبوديّةِ لهُ ؛ لذا فإنّكَ تجدُ أهلَ العلم ِ يلهجونَ في كتبِهم بالتّعبير ِ عن هذهِ اللذّاتِ ، و يُبدونَ تحسّرَهُم على حرمان ِ النّاس ِ منها ، يقول " اللكنوي " في كتابِهِ " الفوائد البهيّة في تراجم الحنفية " أنّ القاضي " أبا جعفر النّسفي " رحمَهُ الله ، " و كانَ من أعيان ِ الفقهاء ، ... يُحكى أنّه باتَ ليلةً مهموماً ، من ضيق البال ِ و سوءِ الحال و كثرةِ العيال ِ ، فوقعَ في خاطرهِ فرعٌ من فروع ِ مذهبِهِ ، فأعجبَ به ، فقامَ يرقصُ في دارهِ و يقول : أينَ الملوكُ و أبناءُ الملوك ِ ؟ فسألتُْه زوجتُه ، فأخبرها ، فتعجّبت !   " ا هـ . ( 3 )  
و كانَ الإمام الجليل " محمّد بن الحسن الشّيباني " إذا انحلّتْ له مشكلاتُ العلوم ِ ، قال : أين أبناءُ الملوك ِ من هذهِ اللّذّة ؟! " . ( 4 )
أمّـا  الإمامُ " الزّمخشريّ " فقد عبّر عن تلكَ الحقيقةِ أجملَ تعبير ٍ و ذلكَ بأبياتٍ رائقةٍ سارتَ بها الرّكبان ، إذ يقول :
سَهَري لتنقيح العلوم ألذُّ لي *** من وَصْل غانيةٍ وطِيبِ عناق ِ 
وتمايلي طرباً لحل عويصة *** في الدرس أشهى من مدامة ساقي 
وألذُّ من نقر الفتاة لدُفِّها *** نقري لألقي الرمل عن أوراقِ 
وأَبِيتَ سهران الدُّجى وتبيته *** نوماً وتبغي بعد ذاك لحاقي 
هذا ما جادَ بهِ قلمٌ متواضع ٍ ، وذهنٌ كليلٌ ، جعلَنا اللهُ و إيّاكُم ممّن لا يأنسُ إلاّ بالعلم ِو المعرفة ِ النّافعة .
------------------------
( 1 ) " ثمار القلوب في المضاف و المنسوب " ، ص 144 .
 ( 2 ) " روضة المحبين "  ، ص 259 .
( 3 ) انظر : " صفحات من صبر العلماء " ، ص 358 .
( 4 ) انظر : كشف الظنون " ، ص 19، و كذلك " أبجد العلوم " ص 100 .
أخوكم الواثق بنصر الله
أنــــــــــــــور بـــــــاشــــــا

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق