أوراق
متناثرة في تاريخ الصحافة الإسلامية .. " مجلة الهداية " .
إعداد
: مبارك القحطاني
من المؤسف أن تاريخ
الصحافة الإسلامية لم يلقَ ما يستحقّه من الدراسة و التحليل ، و آية ذلك إشكالية
قلّة المراجع و الدراسات التي يلمسها الباحث في هذا المجال ؛ إذ لا يوجد على أرفف
المكتبات إلا دراسات قليلة و متناثرة هنا وهناك لا تسمن و لا تغني من جوع ، و لا
تتناسب مع أهمية الدور الخطير الذي لعبته تلك الصحافة.
و هذا القصور والإهمال من
جهته سيضاعف حتماً من مسئولية أهل الغيرة من الباحثين و المختصّين من أبناء الدعوة الإسلامية ، و سيفتح لهم
آفاقاً رحبةً و ميادين فسيحةً للتنويه بأهمية هذه الصحافة كوثائق تاريخية و شواهد
عَـمَـلية على مواقف الدعوة الإسلامية من مسيرة التحوّلات الفكرية و السياسية و
الإجتماعية التي شهدتها المجتمعات الإسلامية ، و لا سيما في مطالع العصر الحديث
الزاخر بالكثير من الأحداث الخطيرة و التحديّات على كافّة الأصعدة .
و مجلة " الهداية
" - مدار حديثنا - خير مثال على ما تعانيه تلك البواكير الصحفية في عالمنا
الإسلامي من آفة الإهمال و التجاهل ، فلا تجد تكاد تجد لهذه المجلة ذكراً إلا في وريقات قليلة عابرة في دراسة
تتطرّق إلى موضوع آخر ، إذ ما زالت هذه المجلة - و غيرها كثير - بحاجة إلى نفض
غبار النسيان عنها ، و وضع صفحاتها تحت منظار الدّرس و التحليل و التقويم ، و قبل
هذا و ذاك الإشادة بدورها الريادي في تأسيس بنيان
صحافة إسلامية ، تواكب العصر ، و تستجيب لمتطلباته .
إنشاء مجلة " الهداية
" :
ترتبط مجلة " الهداية
" بالشيخ الفاضل " عبدالعزيز جاويش " رحمه الله ، و دوره البارز في
النضال الفكري و السياسي ضد الإستعمار الإنجليزي في مصر ، فقد رأَسَ تحرير مجلة
" اللواء " عام 1908 ، و صدع عبر صفحاتها بكلمة الحقّ ، و سيق نتيجةً
لذلك إلى المحاكم ، و سًجِن غير مرة . ثم
أصدر مجلة " الهلال " في الدولة العثمانية ، و بعد ذلك عاد إلى مصر و
أسّس مجلة " الهداية " ، و صدر أول عدد منها في شهر فبراير لعام 1910 م
.
و ذكر الشيخ عبدالعزيز
جاويش أسباب إصدار هذه المجلة ، و هي كما
يلي :
1 - تفريط المسلمين في
دينهم .
2 - انقسام المسلمين على
أنفسهم شيعاً تجاه المدنية الغربية .
3 - غرور بعض المسلمين و
فتنتهم بزخارف المدنية .
4 - انصراف بعض الناس عن
فرائض الدين و سننه .
5 - التقليد الأعمى
للغربيين .
6 - انصراف المسلمين عن
التفكير في مصائرهم .
7 - دخول الشبهات على
الدين الإسلامي من المستشرقين و المبشرين و القساوسة .
8 - النصح للمسلمين و
دعوتهم إلى السبيل القويم ، و التمسك بدينهم .
9 - إذاعة أسرار القرآن
الكريم الذي هو دستور السعادتين .
10 - ردّ الشبه و إدحاض
الأكاذيب على الإسلام .
11 - بيان أن الإسلام دين
الفطرة التي فطر الناس عليها .
12 - الدفاع عن اللغة
العربية الفصحى .
موضوعات المجلة :
عمِـد الشيخ عبدالعزيز
جاويش إلى تفسير القرآن معتمداً على آي القرآن نفسه ، و على ما صحّ من السنة
النبوية ، في محاولة لتقريب تفسير القرآن من الأذهان ، و الإبتعاد عن المماحكات
اللفظية ، و التصاريف الإعرابية التي غالباً ما ينشغل بها المفسّرون ، فشرع في تفسير سورة البقرة ، و نشرت المجلة منذ
العدد الثالث تفسير جزء " تبارك " للشيخ : " عبدالقادر المغربي
" رحمه الله ، فكان تفسير القرآن أهم
ركن في خطاب المجلة الدعوي .
و إلى جانب التفسير اهتمّت
المجلة بالعديد من القضايا الفكرية و
الأدبية و التربوية و الإجتماعية ، يقول الأستاذ " سالم قنيبر " :
" كما طرق إلى جانب التفسير سائر أبواب الإصلاح الإجتماعي ، فحوت المجلة العديد
من المقالات التي تناقش مختلف المشاكل الإجتماعية و صلتها بالدين من جانب و متطلبات المدنية من جانب آخر ، كذلك حفلت
بالعديد من المقالات المترجمة عن الثقافة الغربية ، في الأدب ، و الإجتماع ، و علم
النفس و التربية ، و كان صاحبها يتولى الرد على الأسئلة التي تصله من قرّائه في
مختلف المواضيع اللغوية ، و الأدبية و الإسلامية " . ا هـ . أما أبواب المجلة
الثابتة فكانت كالتالي : أسرار القرآن ، اللغة و الأدب ، شذور علمية ، الحوادث و
الأجيال ، مكاتبات ، التربية و التعليم ، المنبر العام ، أسئلة و أجوبة للردّ على
القراء .
و قد تولّت المجلة الردّ على الشبهات التي
ألقاها بعض المستشرقين في النيل من القرآن الكريم ، فقد ألّف " المسيو سالمون
ريناش " كتاباً عن تاريخ الأديان هاجم فيه القرآن الكريم ، و جرّده من كل
مزية حتى مزية البلاغة و الفصاحة ، فانبرى له أحد المستشرقين ممن درس اللغة العربية
و أجادها ، و يدعى " موريس " من كبار المستشرقين الفرنسيين ، فعلّقت
المجلة على هذا بقولها :
" كفانا الدكتور موريس مؤنة الردّ على ريناش " . و كذلك ردّت على مجلة " بشائر السلام " التي كان يصدرها المنصّرون في مصر ، و حاولت الطعن في القرآن عن طريق التشكيك في مسائل الناسخ و المنسوخ ، فانبرى لها الشيخ الأزهري " محمد قنديل " ، و فنّد كل حججها المتهافتة بتوضيح حقيقة النسخ ، و مكانته في الشريعة ، و دوره في التدرّج التشريعي .
" كفانا الدكتور موريس مؤنة الردّ على ريناش " . و كذلك ردّت على مجلة " بشائر السلام " التي كان يصدرها المنصّرون في مصر ، و حاولت الطعن في القرآن عن طريق التشكيك في مسائل الناسخ و المنسوخ ، فانبرى لها الشيخ الأزهري " محمد قنديل " ، و فنّد كل حججها المتهافتة بتوضيح حقيقة النسخ ، و مكانته في الشريعة ، و دوره في التدرّج التشريعي .
المجلة و اللغة العربية :
اهتمّت المجلة باللغة
العربية اهتماماً كبيراً ، و أكّدت دور اللغة العربية المهم في حفظ الهوية
الإسلامية إذ هي لغة الوحي الذي يربط المسلمين ، و نادت باستنفار الجهود للعناية بها و إحيائها ، و دافعت عنها ضد مطاعن
أعدائها ، يقول الدكتور " جمال
النجار " : " وقد انبرت الهداية لدفع هذه التهم عن اللغة العربية ، و
طالبت اللغويين بأن يهبّوا لينفضول غبار ما رميت به لغة القرآن الكريم من التهم
الجائرة ، و اقترحت ( أن يكون لهذه اللغة
مؤتمراً يتولى تقوية جوانب الضعف فيها ، فإن العاملين لها اليوم هم قوى متجزّئة ،
وما أحوجنا أن تتحد هذه القوى و ينضمّ شمل أولئك العاملين ، فإن هذا الأمر ليس مما
ينهض به الناس فرادى و إنما ينجح إذا عملوا له جماعة ) " . ا هـ .
هذا و قد خصّصت المجلة
باباً بعنوان " أسئلة و أجوبتها في اللغة " ، تردّ فيه المجلة على أسئلة
القرّاء حول بعض المصطلحات اللغوية . و كذلك اهتمت المجلة بقضية تصحيح الأخطاء
اللغوية الشائعة ، و خصّصت كاتباً يتولى ذلك تحت عنوان : " اللغة و الأدب
" .
المجلة و قضية المرأة :
شاركت المجلة في المعركة
الدائرة في ذلك الوقت حول المرأة ، و لكن في خندق المنادين بحجاب و عفاف المرأة المسلمة ، فكانت حرباً شرسة على
دعاة التبرّج و السفور ، و كتبت السيدة " للا قاسم الشماخية " مقالاً
تهاجم فيه دعاة السفور ، و فضحت مخطّطاتهم ، و كشفت هشاشة أطروحاتهم و تهافتها ، و
أن الحجاب تشريع من رب العالمين لحفظ وقار المرأة و عفافها ، لا عادة بشرية مرتبطة
بالأعراف و التقاليد البالية . ثم أوردت في مقالها إحصائية عن أحوال المرأة في
إحدى دول الغرب التي يدين لها دعاة التغريب بالتبجيل و الإقتداء ، تشير إلى أن 50
% من نسائها ملوّثات نتيجة الإختلاط بين الجنسين في مدارس التعليم و غيرها ، ثم تختم مقالها بنداء حار لنساء المسلمين
تقول فيه : " إني أنصح لبنات جنسي ألا ينخدعن بترّهات هؤلاء الكتاب
المتفرنجين ؛ لأنهم لا يريدون إلا الفجور و تعميم الشرور ، ليخلدوا لأنفسهم اسم
أنصار المرأة و ماهم إلا أعداؤها " ا هـ .
و في عامها الثاني أتاحت
الفرصة لطه حسين أن يكتب فيها مقالاً ينادي فيه بالسفور و الإختلاط ، فعقّبت المجلة على هذا المقال بقولها :
" إذا أبيح لها التسكّع في الطرقات ، و غشيان المجالس ، سهُـل عليها أن
تتذرّع لذلك إلى الخلوة بالأجنبي التي قد تفضي إلى اضمحلال إرادتها و احتكام هواها
، فإذا كان هناك من يمنع المرأة من الخروج حاسرة الوجه فما ذلك إلا لأن الخروج على
هذا الشكل مجلبة لتمكّن أهل الغواية و الفساد من بلوغ مأربهم " ا هـ .
نهاية المجلة :
يقول الأستاذ " سالم
قنيبر " : " أما " الهداية"
فإنها لم تستمر في الصدور طويلاً ، إذ سرعان ما توقّفت في يونيو سنة 1912 م
، ثم عاودت الظهور في الأستانة دون انتظام ، و قد توقّفت نهائياً في اواخر سنة
1914 م " . ا هـ . و لم تسعفنا
المصادر المتوفّرة بتحديد أسباب توقّفها المبكّر .
ختاماً ، لقد كانت تجربة
مجلة الهداية تجربة صحفية رائدة ، و لكنها كما ذكرت في بداية المقال لم تنلْ حقّها
من الدراسة و البحث ، و نسأل الله تعالى أن يقيّض لها - و لغيرها من المجلات
الإسلامية - من يعطيها حقّها من الدراسة و التحليل ، أسوة بغيرها من المجلات
السياسية و الفكرية . و الله تعالى وليّ
التوفيق .
المراجع :
1 - " صحافة الإتجاه
الإسلامي في مصر ، منذ مطلع القرن العشرين ، حتى نشوب الحرب العالمية الأولى
" ، د . جمال النجار ، دار الوفاء ، القاهرة .
2 - " الإتجاهات
السياسية و الفكرية و الإجتماعية في الأدب العربي المعاصر ، عبدالعزيز جاويش
" ، سالم قنيبر ، دار مكتبة الأندلس ، بنغازي .
3 - " الأعلام "
، خير الدين الزركلي ، دار العلم للملايين ، بيروت .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق