الأربعاء، 5 مارس 2014

أوراق متناثرة في تاريخ الصحافة الإسلامية .. " مجلة الهداية "



أوراق متناثرة في تاريخ الصحافة الإسلامية .. " مجلة الهداية " .
إعداد : مبارك القحطاني



من المؤسف أن تاريخ الصحافة الإسلامية لم يلقَ ما يستحقّه من الدراسة و التحليل ، و آية ذلك إشكالية قلّة المراجع و الدراسات التي يلمسها الباحث في هذا المجال ؛ إذ لا يوجد على أرفف المكتبات إلا دراسات قليلة و متناثرة هنا وهناك لا تسمن و لا تغني من جوع ، و لا تتناسب مع أهمية الدور الخطير الذي لعبته تلك الصحافة.
و هذا القصور والإهمال من جهته سيضاعف حتماً من مسئولية أهل الغيرة من الباحثين و المختصّين  من أبناء الدعوة الإسلامية ، و سيفتح لهم آفاقاً رحبةً و ميادين فسيحةً للتنويه بأهمية هذه الصحافة كوثائق تاريخية و شواهد عَـمَـلية على مواقف الدعوة الإسلامية من مسيرة التحوّلات الفكرية و السياسية و الإجتماعية التي شهدتها المجتمعات الإسلامية ، و لا سيما في مطالع العصر الحديث الزاخر بالكثير من الأحداث الخطيرة و التحديّات على كافّة الأصعدة .
و مجلة " الهداية " - مدار حديثنا - خير مثال على ما تعانيه تلك البواكير الصحفية في عالمنا الإسلامي من آفة الإهمال و التجاهل ، فلا تجد تكاد تجد لهذه المجلة  ذكراً إلا في وريقات قليلة عابرة في دراسة تتطرّق إلى موضوع آخر ، إذ ما زالت هذه المجلة - و غيرها كثير - بحاجة إلى نفض غبار النسيان عنها ، و وضع صفحاتها تحت منظار الدّرس و التحليل و التقويم ، و قبل هذا و ذاك الإشادة بدورها الريادي في تأسيس بنيان  صحافة إسلامية ، تواكب العصر ، و تستجيب لمتطلباته .
إنشاء مجلة " الهداية " :
ترتبط مجلة " الهداية " بالشيخ الفاضل " عبدالعزيز جاويش " رحمه الله ، و دوره البارز في النضال الفكري و السياسي ضد الإستعمار الإنجليزي في مصر ، فقد رأَسَ تحرير مجلة " اللواء " عام 1908 ، و صدع عبر صفحاتها بكلمة الحقّ ، و سيق نتيجةً لذلك إلى  المحاكم ، و سًجِن غير مرة . ثم أصدر مجلة " الهلال " في الدولة العثمانية ، و بعد ذلك عاد إلى مصر و أسّس مجلة " الهداية " ، و صدر أول عدد منها في شهر فبراير لعام 1910 م .
و ذكر الشيخ عبدالعزيز جاويش أسباب إصدار هذه المجلة ، و هي  كما يلي :
1 - تفريط المسلمين في دينهم .
2 - انقسام المسلمين على أنفسهم شيعاً تجاه المدنية الغربية .
3 - غرور بعض المسلمين و فتنتهم بزخارف المدنية .
4 - انصراف بعض الناس عن فرائض الدين و سننه .
5 - التقليد الأعمى للغربيين .
6 - انصراف المسلمين عن التفكير في مصائرهم .
7 - دخول الشبهات على الدين الإسلامي من المستشرقين و المبشرين و القساوسة .
8 - النصح للمسلمين و دعوتهم إلى السبيل القويم ، و التمسك بدينهم .
9 - إذاعة أسرار القرآن الكريم الذي هو دستور السعادتين .
10 - ردّ الشبه و إدحاض الأكاذيب على الإسلام .
11 - بيان أن الإسلام دين الفطرة التي فطر الناس عليها .
12 - الدفاع عن اللغة العربية الفصحى .
موضوعات المجلة :  
عمِـد الشيخ عبدالعزيز جاويش إلى تفسير القرآن معتمداً على آي القرآن نفسه ، و على ما صحّ من السنة النبوية ، في محاولة لتقريب تفسير القرآن من الأذهان ، و الإبتعاد عن المماحكات اللفظية ، و التصاريف الإعرابية التي غالباً ما ينشغل بها المفسّرون ،  فشرع في تفسير سورة البقرة ، و نشرت المجلة منذ العدد الثالث تفسير جزء " تبارك " للشيخ : " عبدالقادر المغربي " رحمه الله ،  فكان تفسير القرآن أهم ركن في خطاب المجلة الدعوي .
و إلى جانب التفسير اهتمّت المجلة  بالعديد من القضايا الفكرية و الأدبية و التربوية و الإجتماعية ، يقول الأستاذ " سالم قنيبر " : " كما طرق إلى جانب التفسير سائر أبواب الإصلاح الإجتماعي ، فحوت المجلة العديد من المقالات التي تناقش مختلف المشاكل الإجتماعية و صلتها بالدين من جانب  و متطلبات المدنية من جانب آخر ، كذلك حفلت بالعديد من المقالات المترجمة عن الثقافة الغربية ، في الأدب ، و الإجتماع ، و علم النفس و التربية ، و كان صاحبها يتولى الرد على الأسئلة التي تصله من قرّائه في مختلف المواضيع اللغوية ، و الأدبية و الإسلامية " . ا هـ . أما أبواب المجلة الثابتة فكانت كالتالي : أسرار القرآن ، اللغة و الأدب ، شذور علمية ، الحوادث و الأجيال ، مكاتبات ، التربية و التعليم ، المنبر العام ، أسئلة و أجوبة للردّ على القراء .
 و قد تولّت المجلة الردّ على الشبهات التي ألقاها بعض المستشرقين في النيل من القرآن الكريم ، فقد ألّف " المسيو سالمون ريناش " كتاباً عن تاريخ الأديان هاجم فيه القرآن الكريم ، و جرّده من كل مزية حتى مزية البلاغة و الفصاحة ، فانبرى له أحد المستشرقين ممن درس اللغة العربية و أجادها ، و يدعى " موريس " من كبار المستشرقين الفرنسيين ، فعلّقت المجلة على هذا بقولها :
" كفانا الدكتور موريس مؤنة الردّ على ريناش " . و كذلك ردّت على مجلة " بشائر السلام " التي كان يصدرها المنصّرون في مصر ، و حاولت الطعن في القرآن عن طريق التشكيك في مسائل الناسخ و المنسوخ ، فانبرى لها الشيخ الأزهري " محمد قنديل " ، و فنّد كل حججها المتهافتة بتوضيح حقيقة النسخ ، و مكانته في الشريعة ، و دوره في التدرّج التشريعي .
المجلة و اللغة العربية :
اهتمّت المجلة باللغة العربية اهتماماً كبيراً ، و أكّدت دور اللغة العربية المهم في حفظ الهوية الإسلامية إذ هي لغة الوحي الذي يربط المسلمين ، و نادت باستنفار الجهود  للعناية بها و إحيائها ، و دافعت عنها ضد مطاعن أعدائها ،  يقول الدكتور " جمال النجار " : " وقد انبرت الهداية لدفع هذه التهم عن اللغة العربية ، و طالبت اللغويين بأن يهبّوا لينفضول غبار ما رميت به لغة القرآن الكريم من التهم الجائرة ، و اقترحت (  أن يكون لهذه اللغة مؤتمراً يتولى تقوية جوانب الضعف فيها ، فإن العاملين لها اليوم هم قوى متجزّئة ، وما أحوجنا أن تتحد هذه القوى و ينضمّ شمل أولئك العاملين ، فإن هذا الأمر ليس مما ينهض به الناس فرادى و إنما ينجح إذا عملوا له جماعة ) " . ا هـ .
هذا و قد خصّصت المجلة باباً بعنوان " أسئلة و أجوبتها في اللغة " ، تردّ فيه المجلة على أسئلة القرّاء حول بعض المصطلحات اللغوية . و كذلك اهتمت المجلة بقضية تصحيح الأخطاء اللغوية الشائعة ، و خصّصت كاتباً يتولى ذلك تحت عنوان : " اللغة و الأدب " .
المجلة و قضية المرأة :
شاركت المجلة في المعركة الدائرة في ذلك الوقت حول المرأة ، و لكن في خندق المنادين بحجاب  و عفاف المرأة المسلمة ، فكانت حرباً شرسة على دعاة التبرّج و السفور ، و كتبت السيدة " للا قاسم الشماخية " مقالاً تهاجم فيه دعاة السفور ، و فضحت مخطّطاتهم ، و كشفت هشاشة أطروحاتهم و تهافتها ، و أن الحجاب تشريع من رب العالمين لحفظ وقار المرأة و عفافها ، لا عادة بشرية مرتبطة بالأعراف و التقاليد البالية . ثم أوردت في مقالها إحصائية عن أحوال المرأة في إحدى دول الغرب التي يدين لها دعاة التغريب بالتبجيل و الإقتداء ، تشير إلى أن 50 % من نسائها ملوّثات نتيجة الإختلاط بين الجنسين في مدارس التعليم و غيرها  ، ثم تختم مقالها بنداء حار لنساء المسلمين تقول فيه : " إني أنصح لبنات جنسي ألا ينخدعن بترّهات هؤلاء الكتاب المتفرنجين ؛ لأنهم لا يريدون إلا الفجور و تعميم الشرور ، ليخلدوا لأنفسهم اسم أنصار المرأة و ماهم إلا أعداؤها " ا هـ .
و في عامها الثاني أتاحت الفرصة لطه حسين أن يكتب فيها مقالاً ينادي فيه بالسفور و الإختلاط  ، فعقّبت المجلة على هذا المقال بقولها : " إذا أبيح لها التسكّع في الطرقات ، و غشيان المجالس ، سهُـل عليها أن تتذرّع لذلك إلى الخلوة بالأجنبي التي قد تفضي إلى اضمحلال إرادتها و احتكام هواها ، فإذا كان هناك من يمنع المرأة من الخروج حاسرة الوجه فما ذلك إلا لأن الخروج على هذا الشكل مجلبة لتمكّن أهل الغواية و الفساد من بلوغ مأربهم " ا هـ .
نهاية المجلة :     
يقول الأستاذ " سالم قنيبر " : " أما " الهداية"  فإنها لم تستمر في الصدور طويلاً ، إذ سرعان ما توقّفت في يونيو سنة 1912 م ، ثم عاودت الظهور في الأستانة دون انتظام ، و قد توقّفت نهائياً في اواخر سنة 1914 م  " . ا هـ . و لم تسعفنا المصادر المتوفّرة بتحديد أسباب توقّفها المبكّر .
ختاماً ، لقد كانت تجربة مجلة الهداية تجربة صحفية رائدة ، و لكنها كما ذكرت في بداية المقال لم تنلْ حقّها من الدراسة و البحث ، و نسأل الله تعالى أن يقيّض لها - و لغيرها من المجلات الإسلامية - من يعطيها حقّها من الدراسة و التحليل ، أسوة بغيرها من المجلات السياسية و الفكرية .  و الله تعالى وليّ التوفيق .
المراجع :
1 - " صحافة الإتجاه الإسلامي في مصر ، منذ مطلع القرن العشرين ، حتى نشوب الحرب العالمية الأولى " ، د . جمال النجار ، دار الوفاء ، القاهرة .
2 - " الإتجاهات السياسية و الفكرية و الإجتماعية في الأدب العربي المعاصر ، عبدالعزيز جاويش " ، سالم قنيبر ، دار مكتبة الأندلس ، بنغازي .
3 - " الأعلام " ، خير الدين الزركلي ، دار العلم للملايين ، بيروت .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق